تخوض إيران مناورة مزدوجة المسارات بين ضفتي الدبلوماسية والردع العسكري، بالتزامن مع دخول الصراع عامله السادس عقب اندلاعه في 28 فبراير/شباط الماضي. وبينما تقود الرئاسة والبرلمان حراكاً داخلياً لشرعنة المفاوضات مع الولايات المتحدة وامتصاص الضغوط الاقتصادية، ترسم المؤسسة العسكرية خياراتها الردعية بأساليب غير تقليدية للتصدي لأي غزو بري مرتقب، وسط مساعٍ حثيثة تقودها الدوحة وإسلام آباد لتثبيت وقف إطلاق النار وتأمين الملاحة في مضيق هرمز.
تحول الخطاب الداخلي.. التفاوض كخيار استراتيجي
تجاوزت القيادة السياسية في طهران حالة الاستقطاب المحافظ، متبنيةً خطاباً صريحاً يشرعن العمل الدبلوماسي:
مظلة الرئاسة: أرسى الرئيس مسعود بزشكيان قاعدة تعطي الأولوية للتفاهم ومبدأ “حل العقدة باليد”، مؤكداً أن الحفاظ على المصلحة الوطنية يقتضي الحوار ومنع التصعيد العسكري المباشر.
دعم البرلمان: تصدى رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف للتيارات المتشددة والمواقف الرافضة للحوار، محذراً من وصم كل إنجاز تفاوضي بـ “الخيوانة”، ومؤكداً أن التفاوض من موقع القوة هو أداة لتحصيل الحقوق وليست استسلاماً.
حرب المكافآت و”الردع الشعبي” البري
في المقابل، تتجه المؤسسة العسكرية نحو بناء عقيدة دفاعية تعتمد على تحفيز المجتمع المحلي ومواجهة الاحتمالات البرية:
تحفيز الأسر والتحييد: أعلن الجيش الإيراني تخصيص مكافآت مالية كبيرة لمن يسحق أو يأسر جنوداً أمريكيين حال وقوع غزو بري (5 مليارات تومان للرجال، و10 مليارات للنساء)، لتفعيل مبدأ الردع الشامل وتوسيع رقعة المواجهة.
استمرار حرب التصفيات المعنوية: تتقاطع هذه الخطوة مع تاريخ من المبادرات المشابهة التي أطلقتها جهات إيرانية وفصائل حليفة، مثل رصد مكافآت لتصفية قيادات غربية رداً على استهداف الرموز السياسية والدينية.
المسار الإقليمي وتجاوز عقدة هرمز
تتقاطع هذه الديناميكية الداخلية مع ضغوط مكثفة تحركها الدبلوماسية الإقليمية؛ حيث تشكل زيارة رئيس وزراء قطر لطهران والوساطة الباكستانية الممتدة حجر الزاوية لتثبيت اتفاق إطار يضمن حرية الملاحة في مضيق هرمز ومسار وقف إطلاق النار. ورغم سكون الآلة العسكرية الأمريكية خلال الأسابيع الأخيرة وتراجع وتيرة الضغوط الجوية، يظل ملف العقوبات الثانوية وسبل حماية الاقتصاد الإيراني المحرك الأساسي لطاولة المفاوضات المرتقبة.
تثبت هذه المعادلة المركبة أن طهران تسعى للخروج من حافة الهاوية عبر مقايضة أمن الملاحة والردع الميداني بفك الخناق الاقتصادي؛ حيث يمثل التنسيق بين بزشكيان وقاليباف غطاءً سياسياً نادراً لإدارة المفاوضات، دون التفريط بملفات السيادة والردع العسكري.






