لم يقتصر الجدل حول “مجلس السلام” على الانقسام الأوروبي–الأمريكي، بل بدأ يتسرّب إلى الداخل الأمريكي نفسه. فقد عبّر سيناتور ديمقراطي بارز عن مخاوف من أن تكون آليات تشكيل المجلس قد صُمّمت على نحو يُضعف منظومة الرقابة والمساءلة، بما يفتح الباب أمام مخاطر تسرب مليارات الدولارات المخصّصة لإعادة إعمار غزة إلى دوائر نفوذ سياسية أو اقتصادية قريبة من دوائر القرار في واشنطن. هذه الانتقادات، التي طُرحت علنًا وعلى مستوى رفيع، كسرت للمرة الأولى جدار الصمت داخل المؤسسة الأمريكية بشأن مشروع الإدارة لإدارة “اليوم التالي” في غزة.
تزامن هذا السجال مع تصاعد التوترات المرتبطة بمسار وقف إطلاق النار، واقتراب موعد اجتماع مرتقب لـ“مجلس السلام” في واشنطن، ما جعل النقاش حول التمويل والحوكمة يتداخل مباشرة مع المخاوف من أن تتحوّل مرحلة الإعمار إلى ساحة جديدة لتصفية الحسابات السياسية وتبادل النفوذ بدل أن تكون مدخلًا لاستقرار فعلي.
سجال دبلوماسي حاد… الأمن مقابل الشرعية
في موازاة الانتقادات الداخلية، احتدم التراشق الدبلوماسي بين مسؤولين غربيين حول طبيعة المجلس ودوره. فبينما حاول المبعوث المكلّف بملف غزة تخفيف حدّة الجدل والتركيز على “المهام العاجلة” المرتبطة بالإغاثة والأمن، تبنّى مسؤولون أمريكيون خطابًا هجوميًا ضد ما وصفوه بـ“القلق الأوروبي المفرط”، معتبرين أن كسر حالة الجمود يتطلّب تجاوز الأطر التقليدية التي فشلت، وفق رؤيتهم، في إنهاء الحرب أو تفكيك بنية الفصائل المسلحة في القطاع.
هذا السجال كشف فجوة في مقاربة الملف: واشنطن تميل إلى تقديم الأمن وكسر المعادلات القائمة كأولوية قصوى، حتى لو جاء ذلك على حساب المرجعيات الدولية، فيما تصرّ أوروبا على أن أي مسار يتجاوز الشرعية الأممية ويهمّش الفلسطينيين محكوم بفقدان المصداقية والاستدامة.
قوات دولية وإعمار بلا أمم متحدة؟
ضمن هذا التصوّر الجديد، جرى الترويج لفكرة نشر قوة استقرار دولية والمضي في تمويل إعادة الإعمار عبر قنوات بديلة عن منظومة الأمم المتحدة، بذريعة أن بعض الدول لا ترغب في ضخ مليارات الدولارات عبر مؤسسات تُعتبر بطيئة أو مقيّدة بالبيروقراطية. هذا الطرح يثير قلقًا مضاعفًا في أوروبا وأوساط حقوقية، لأنه يعيد تعريف مفهوم “التعددية” بطريقة انتقائية تُبقي القرار بيد عدد محدود من العواصم، وتُضعف آليات الرقابة الدولية.
وصف هذا التوجّه بوصفه “تعددية مُركّزة” يعكس، في الجوهر، تحوّلًا من التعددية القائمة على المؤسسات إلى تنسيقات مرنة تقودها قوى بعينها. غير أن هذا التحوّل، وإن بدا عمليًا على المدى القصير، يحمل مخاطر سياسية وأخلاقية، أبرزها غياب الشفافية في إدارة أموال الإعمار، وتسييس المساعدات الإنسانية، وربط الأمن بإقصاء أي مسار سياسي جامع.
المصداقية المفقودة… غزة بمعزل عن الضفة؟
من الجانب الفلسطيني، تتعزّز المخاوف من أن يتحوّل النقاش حول “اليوم التالي لغزة” إلى مسار منفصل عن القضية الفلسطينية برمّتها. فبينما تُطرح خطط لإدارة القطاع أمنيًا وإعادة إعماره، تتواصل الوقائع على الأرض في الضفة الغربية على نحو يقوّض أي حديث عن أفق سياسي شامل. هذا الفصل بين المسارين يُفقد خطط غزة كثيرًا من صدقيتها، إذ يبدو كأنه معالجة تقنية لأزمة إنسانية وأمنية، لا جزءًا من حل سياسي متكامل.
التحذير هنا لا يتعلّق فقط بإعادة الإعمار، بل بمصير أي مسار نحو تسوية سياسية. فإدارة غزة بمعزل عن سياقها الفلسطيني العام تعني عمليًا تأجيل القضايا الجوهرية، وترك الباب مفتوحًا أمام انهيار أي تهدئة مؤقتة، وتحويل “المرحلة الثانية” من وقف إطلاق النار إلى مرحلة جديدة من الحرب بدل أن تكون خطوة نحو إنهائها.
ما بين نزع السلاح وتوحيد غزة… شروط الاستقرار الهش
في خضم هذا الجدل، يبرز طرح يربط الاستقرار في غزة بسلسلة شروط متداخلة: تحسين فوري للمساعدات الإنسانية، معالجة ملف السلاح لدى الفصائل، إنهاء واقع الانقسام داخل القطاع نفسه، وبلورة إدارة مدنية فعّالة قادرة على التعامل مع إعادة الإعمار. غير أن تحويل هذه الشروط إلى واقع يتطلّب أكثر من ترتيبات أمنية عابرة؛ يتطلّب إطارًا سياسيًا جامعًا يوفّر شرعية داخلية للفلسطينيين وضمانات دولية للشركاء.
في غياب هذا الإطار، تبقى خطط “مجلس السلام” عالقة بين منطق القوة ومنطق الشرعية، وبين مقاربة أمنية تسعى إلى كسر الوقائع القائمة بسرعة، ورؤية سياسية تحذّر من أن القفز فوق الأسئلة الكبرى سيؤدي، في النهاية، إلى إعادة إنتاج الفشل نفسه بثمن إنساني أعلى.






