بينما تتجه الأنظار إلى قطاع غزة وما يحمله من تداعيات إنسانية وأمنية، تبرز ملامح إصرار إسرائيلي واضح على المضي نحو عملية احتلال مدينة غزة، رغم التعقيدات العسكرية والمخاطر السياسية التي ترافق هذا الخيار. فالمصادر الإسرائيلية تكشف أن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو لا يولي ملف المفاوضات المتعلقة بالمحتجزين أولوية حقيقية، بقدر ما ينشغل برسم ملامح العملية العسكرية وتغيير مسماها وتسريع جدولها الزمني، في خطوة تعكس محاولة للتماهي مع حسابات سياسية داخلية أكثر مما تعكس قراءة موضوعية للواقع الميداني.
سباق مع الوقت لفرض الإيقاع
مراسل الشؤون العسكرية في «القناة 12» العبرية، نير دافوري، أكد أن الجيش الإسرائيلي شرع فعلاً في تدريبات ميدانية تشارك فيها أربعة ألوية على أطراف غزة، في محاولة لمحاكاة سيناريوهات القتال داخل المدينة وأحيائها. الجداول الزمنية، وفق ما تم تسريبه، تُظهر أن التعبئة الكاملة لجنود الاحتياط ستكون مع مطلع سبتمبر، وهو ما يعني أن منتصف الشهر قد يشهد انطلاق عملية عسكرية واسعة النطاق. هذه التحضيرات الميدانية لم تكن لتحصل لولا يقين المؤسسة العسكرية بأن نتنياهو ماضٍ في رهانه، ولن يتراجع مهما كانت التحذيرات.
خطة «عربات جدعون 2» وتوسيع رقعة القتال
هيئة البث الرسمية «كان» تحدثت عن تفعيل خطة «عربات جدعون 2» التي لا تقتصر على التمهيد لاجتياح غزة، بل تتضمن سلسلة من الإجراءات: تكثيف النشاط العسكري في حي الزيتون وجباليا، توسيع نطاق العمليات البرية، إلى جانب إجراءات إنسانية موازية من قبيل تحذير السكان وإجلائهم وتعزيز مراكز الإيواء. هذا التوازي بين التصعيد العسكري والتدابير الإنسانية يشي بمحاولة لإضفاء شرعية على العملية، وقطع الطريق أمام الانتقادات الدولية التي قد ترافق أي اجتياح شامل للمدينة.
حسابات نتنياهو السياسية
صحيفة «يديعوت أحرونوت» لفتت إلى أن مكتب نتنياهو كثّف خلال الأسابيع الأخيرة إعلاناته التي تحمل رسالة واحدة: «ضرورة تقليص الجداول الزمنية للعملية». هذه الإعلانات لم تكن موجهة للرأي العام بقدر ما كانت موجّهة لشركائه في الائتلاف الحاكم، الذين يعتبرون أن أي تردد أو تأجيل قد يفضي إلى تصدعات داخلية تُهدد بقاء الحكومة. صحيفة «معاريف» عززت هذا الطرح حين نقلت عن مصدر عسكري أن «الانطباع السائد هو أن نتنياهو لن يتراجع عن العملية لأنه يدرك أن مصير حكومته مرتبط بنتائجها».
ما وراء الجاهزية العسكرية
إعادة تأهيل القوات وتعبئة الاحتياط بعد العطلة الصيفية تمثل مؤشراً واضحاً على أن إسرائيل لا تنظر إلى غزة من زاوية عسكرية فقط، بل من زاوية سياسية داخلية أيضاً. فالعملية، التي يتم التحضير لها بعناية، قد تكون وسيلة نتنياهو الأخيرة للحفاظ على تماسك ائتلافه الحكومي الذي يعيش على وقع أزمات متتالية. لكن هذه الحسابات، وإن بدت واقعية على المدى القريب، لا تعفيه من مواجهة استحقاقات الميدان، حيث يبقى اجتياح غزة خياراً محفوفاً بالتكلفة العالية سواء من حيث الخسائر البشرية أو من حيث ارتداداته السياسية والإقليمية.






