تشير مطالب عائلات الأسرى الإسرائيليين إلى تحوّل لافت في المزاج العام داخل إسرائيل، حيث بدأت أصوات من الداخل تُحمّل الحكومة مسؤولية تمديد الحرب على قطاع غزة دون تحقيق نتائج ملموسة، خصوصًا في ملف استعادة الرهائن. هذه الأصوات، وعلى رأسها هيئة عائلات المختطفين، لا تنبع فقط من دوافع إنسانية، بل تعكس إدراكًا سياسيًا متزايدًا بأن استمرار الحرب، بعد التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار مع إيران، قد يكون مكلفًا من دون مردود حقيقي.
فقدان الثقة في نتنياهو
البيان الذي أصدرته الهيئة يأتي في لحظة رمزية دقيقة، إذ جاء مباشرة بعد انتهاء جولة تصعيد عسكري خطير مع إيران، وفي أعقاب إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن وقف لإطلاق النار، ما أعطى العائلات الفرصة لإبراز المفارقة بين قدرة الحكومة على الوصول إلى تفاهم مع طهران – الخصم الاستراتيجي الأكبر – وعجزها المستمر عن التوصل لحل يضمن عودة المختطفين من غزة بعد أكثر من 600 يوم من الحرب.
يعبّر هذا الضغط العلني عن حالة من فقدان الثقة بالقيادة السياسية، لا سيما برئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، الذي طالما وعد بالحسم في غزة واستعادة الأسرى، دون أن ينجح في تحقيق تقدم ملموس. كما يعكس الخطاب تحوّلاً في الأولويات العامة: فبعد أن كانت الحرب على غزة تُقدَّم كضرورة استراتيجية للقضاء على “التهديد الحمساوي”، بات يُنظر إليها اليوم كعبء إنساني وسياسي، خصوصًا إذا ما قورنت بعملية “مشرّفة” – حسب وصفهم – ضد إيران.
سردية سياسية جديدة داخل إسرائيل
من الناحية الاستراتيجية، فإن هذه المطالب تضغط على الحكومة لربط ملف غزة بالصفقة الإيرانية بطريقة سياسية قد تكون غير مريحة. فالدفع باتجاه إنهاء الحرب في غزة من موقع قوة، بعد ما يُقال إنه نجاح في توجيه ضربات قوية لإيران، يُسهم في تكوين سردية سياسية جديدة داخل إسرائيل مفادها أن هذه هي اللحظة المناسبة “للانسحاب بكرامة” من القطاع، وتسجيل إنجاز مزدوج: وقف القتال واستعادة الأسرى.
في الوقت نفسه، فإن هذا الحراك المجتمعي يضع نتنياهو بين فكي كماشة: من جهة، رغبته في استثمار العملية ضد إيران لتلميع صورته، ومن جهة أخرى، مطالب الرأي العام – وخصومه السياسيين – بالانتقال فورًا إلى إنهاء الحرب في غزة، ما قد يتطلب تقديم تنازلات لحماس أو الدخول في مفاوضات غير شعبية داخليًا. وهو ما يفسر تصاعد نبرة المعارضة، كما في تصريحات يائير لبيد وغادي آيزنكوت ويائير غولان، الذين يدفعون باتجاه تسوية سياسية شاملة تنهي الحرب وتعيد الأسرى.
توظيف لحظة القوة
وعلى المستوى الأعمق، فإن هذه المطالب قد تؤثر بشكل غير مباشر على مسار وقف إطلاق النار في غزة، من خلال زيادة الضغط الداخلي على المؤسسة الأمنية والعسكرية للقبول بحلول سياسية، بدلاً من المراهنة المستمرة على الحسم العسكري. وقد تمهد الطريق لوساطة إقليمية أو دولية تنقل ملف الأسرى من ساحة المعركة إلى طاولة التفاوض، في ظل تغير المزاج الدولي بعد الهدنة مع إيران.
تصريحات ومطالب عائلات الأسرى ليست مجرد صرخة إنسانية، بل تحوّلت إلى ورقة ضغط سياسية قوية قد تعيد رسم أولويات الحكومة الإسرائيلية، وتؤثر في وتيرة ومسار إنهاء الحرب على غزة، عبر توظيف “لحظة القوة” التي خلّفتها المواجهة مع إيران لتحقيق إنجاز داخلي طال انتظاره.






