لم يعد الخبز في قطاع غزة، مجرد سلعة غذائية أساسية، بل تحول إلى مؤشر يومي حاد على عمق الأزمة الإنسانية والاقتصادية التي يعيشها السكان، ومع استمرار الحرب وتراجع الإمدادات، باتت “ربطة الخبز” خاضعة لما يشبه تقلبات السوق المفتوحة، حيث تتحدد قيمتها وفق معادلة مختلة تجمع بين شح العرض وارتفاع الطلب، في ظل غياب أدوات الضبط والاستقرار.
تعكس هذه الأزمة اختلالاً كارثيًا في منظومة الأمن الغذائي، إذ لم يعد النقص مرتبطاً بعامل واحد، بل نتاج تداخل أزمات متعددة تشمل تقليص المساعدات، وتعطل سلاسل التوريد، ونقص الوقود، وتراجع القدرة الإنتاجية للمخابز. وهو ما أدى إلى انتقال الخبز من كونه سلعة مدعومة نسبياً إلى عبء معيشي متزايد، خاصة مع عودة السوق السوداء وارتفاع الأسعار بنسب غير مسبوقة.
الحصول على الخبز معاناة يومية مرهقة
الحصول على ربطة الخبز بات يشكّل معاناة يومية مرهقة، في ظل النقص الواضح في الكميات المطروحة في الأسواق، موضحاً أنه كان يشتري الربطة بالسعر الرسمي المحدد بـ3 شواكل، إلا أنه أصبح يواجه صعوبة كبيرة في العثور عليها بهذا السعر، ما يضطره في كثير من الأحيان إلى شرائها بسعر أعلى. حسب تصريحات جمال الغلبان لوكالة شهاب.
وأضاف “الغلبان” أن سعر ربطة الخبز لم يعد ثابتاً، بل بات يتغير من وقت إلى آخر تبعاً للكميات المتوفرة في السوق، وفى كل صباح وكل منطقة يتغير السعر بشكل يومي، مشيرًا إلى أن بعض الباعة يعرضونها بأسعار مضاعفة، وصلت في بعض الأوقات إلى 15 شيكلاً للربطة الواحدة، وهو ما يفوق قدرة الكثير من الأسر التي تعتمد على الخبز كغذاء أساسي يومي.
وفي السياق ذاته، تقول أسماء جبر 33 عاماً أن الحصول على ربطة خبز يحدد مسار بقية اليوم لكل عائلة، لا سيما في مخيمات النزوح التي يشكّل الخبز أساس حياتها، وسط تفاقم أزمة الوقود وغياب المساعدات ومنع دخولها لأيام متواصلة، مضيفة أن الأزمة لم تقتصر على ربطة الخبز فحسب، بل امتدت إلى الطحين أيضاً؛ إذ ارتفع سعر كيس الطحين من 25 شيكلاً إلى 70 شيكلاً، نتيجة قلة كميات الخبز المتوفرة في الأسواق، إلى جانب تراجع كميات المساعدات الإنسانية التي كانت توزع الطحين على السكان، ما ضاعف من حجم العبء المعيشي على العائلات.
تقلبات حادة وغير مسبوقة في الأسعار
بيع الخبز لم يعد كما كان في السابق، فضلا عن أن الحركة ضعفت بشكل كبير بسبب قلة الدقيق وصعوبة وصوله إلى المخابز، إلى جانب نقص الوقود، وهو ما أدى إلى تراجع كميات الخبز المتوفرة في الأسواق، ويستعيد البائع ما كانت عليه الأوضاع سابقاً، كما أنهم كانوا يشترون ربطة الخبز بسعر ثابت يبلغ 2.7 شيكل، ويبيعونها للمواطنين مقابل 3 شواكل فقط، بهامش ربح بسيط لكنه مستقر، يضمن استمرارية العمل دون تحميل المواطنين أعباء إضافية. حسب تصريحات علام أبو ضلفة، صاحب نقطة لبيع الخبز، لوكالة شهاب.
وأشار أبو ضلفة إلى أن الأسعار شهدت خلال الفترة الأخيرة تقلبات حادة وغير مسبوقة، حيث باتت تكلفة شراء ربطة الخبز تتراوح بين 5 و15 شيكلاً، وهو فارق كبير يعكس حجم الخلل في السوق، ويرتبط بشكل أساسي بتفاوت الكميات المتوفرة واختلاف مصادر التوريد التي أصبحت غير مستقرة أمام هذا الواقع، يوضح أن الباعة يواجهون معادلة صعبة؛ إذ يضطرون في كثير من الأحيان إلى البيع بهوامش ربح ضئيلة للغاية، لا تتجاوز شيكلاً واحداً أو حتى أقل، في محاولة للحفاظ على استمرار عملهم من جهة، وعدم فقدان الزبائن من جهة أخرى، رغم الارتفاع الكبير في تكلفة الشراء.
استمرار نقص الخبز في الأسواق قد يؤدي إلى تفاقم الأزمة بشكل أكبر – وفقا لعلام – إذ يفتح شح المعروض الباب أمام زيادات إضافية في الأسعار. مشيرًا إلى أنه في حالات اشتداد النقص أو انعدام الكميات بشكل شبه كامل، يلجأ بعض الباعة إلى رفع هامش الربح لتعويض الخسائر المتراكمة، وهو ما ينعكس مباشرة على المواطن، الذي يجد نفسه أمام سوق سوداء للخبز تثقل كاهله في ظل ظروف معيشية صعبة أصلاً.
قيود الاحتلال تفاقم الأزمة
يعاني السوق المحلي حاليًا من عجز يصل إلى 50% في تلبية احتياجات السكان فضلا عن أن ملامح الأزمة بدأت تظهر مباشرة بعد شهر رمضان، نتيجة فجوة كبيرة بين الإنتاج والطلب، في ظل تراجع كميات الطحين والوقود المخصصة للمخابز، بدوره، حسب تصريحات رئيس جمعية أصحاب المخابز في غزة عبد الناصر العجرمي لوكالة شهاب.
وأضاف العجرمي أن تقليصات برنامج الأغذية العالمي لحصص الطحين والسولار بنسبة 30% أدت إلى خفض الإنتاج اليومي من 300 طن إلى نحو 200 طن، ما فاقم من حدة الأزمة، مشيرًا إلى أن البرنامج يتجه تدريجيًا نحو تحويل المخابز من النظام المدعوم إلى النظام التجاري، مع الاستمرار في توفير السولار فقط، الأمر الذي يهدد استقرار الإنتاج ويزيد الأعباء على المواطنين. فضلا عن أن غياب ما يُعرف بـ”الطحين التجاري” يشكل العقبة الرئيسية أمام تشغيل 6 مخابز جديدة خلال شهر نيسان/أبريل، رغم الحاجة الملحّة لزيادة القدرة الإنتاجية.
وكشف رئيس جمعية أصحاب المخابز في غزة، عن وجود اتصالات مع الجانب “الإسرائيلي” لتقديم كشوفات بالمخابز المتوقفة، في محاولة لإدخال المواد اللازمة عبر التجار، في ظل القيود المفروضة على دخول الإمدادات. فضلا عن أن الأوضاع الإنسانية في قطاع غزة تزداد صعوبة، مع تأثر المواطنين بشكل مباشر بهذه الأزمة، خاصة أن شريحة واسعة تعتمد على الخبز المدعوم.




