بعد مرور أكثر من نصف قرن على حرب يونيو 1967 وصدور قرار مجلس الأمن رقم 242، الذي وضع الأساس لمعادلة “الأرض مقابل السلام”، لا يزال السلام الدائم بين الفلسطينيين والإسرائيليين بعيد المنال. ويشير ريتشارد هاس، الرئيس الفخري لمجلس العلاقات الخارجية الأميركية، في تحليله المنشور بمجلة فورين أفيرز، إلى أن نافذة الفرصة أمام تسوية شاملة وعادلة آخذة في الانغلاق بسرعة، إذ تتزايد صعوبة تجاوز العوائق السياسية والميدانية مع مرور الوقت.
تدهور صورة إسرائيل
إسرائيل اليوم تبدو في وضع أمني لم تعرفه منذ عقود، إذ تراجعت التهديدات المباشرة على حدودها بشكل ملحوظ، وتتمتع بدعم سياسي وعسكري من الولايات المتحدة. لكن هذه الميزة قد لا تدوم طويلاً. فصورة إسرائيل أمام الرأي العام الدولي تتدهور تدريجيًا، وخصوصًا في الغرب، حيث بدأت أصوات كثيرة تصفها بدولة منبوذة تحرم الفلسطينيين من حقوقهم الأساسية. ويؤكد هاس أن الدعم الأميركي والأوروبي ليس مضمونًا على المدى الطويل، خصوصًا إذا واصلت إسرائيل رفض أي مسار جدي للتسوية.
المعضلة التي تواجهها إسرائيل الآن تتلخص في خيارين: إما الانخراط بصدق في تسوية سياسية تفضي إلى قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة، أو مواجهة عزلة متزايدة تهدد أمنها ورفاهها على المدى البعيد. ففكرة حل الدولتين، رغم ما يواجهها من معارضة داخلية في إسرائيل ورفض متنامٍ لدى اليمين، تبقى الخيار الواقعي الوحيد القادر على حفظ الهوية الإسرائيلية كدولة يهودية وديمقراطية في آن واحد. استمرار الوضع القائم يعني أن إسرائيل ستظل ممزقة بين حرمان ملايين الفلسطينيين من الحقوق السياسية، ما ينسف طابعها الديمقراطي، أو منحهم هذه الحقوق بما يقوض طابعها اليهودي.
تكلفة سياسية واقتصادية
العقبات أمام الحل لا تقتصر على المواقف السياسية، بل تمتد إلى الحقائق التي رسختها المستوطنات في الضفة الغربية. وجود أكثر من 140 مستوطنة مرخّصة و200 بؤرة عشوائية يجعل من الصعب إعادة رسم حدود مقبولة لدولة فلسطينية. كل مستوطنة إضافية تعني عقبة جديدة أمام مبدأ “الأرض مقابل السلام”، وكل مستوطن جديد يضيف تكلفة سياسية واقتصادية لأي انسحاب محتمل. وفي ظل هذه المعطيات، يصبح التوصل إلى اتفاق أصعب بكثير مما كان عليه قبل ثلاثة عقود.
المشهد السياسي الداخلي في إسرائيل يعقد الصورة أكثر. فالأحزاب اليسارية التي كانت تقود مسار المفاوضات تلاشت تقريبًا، بينما تعززت قوة اليمين القومي والديني الرافض لأي تنازل للفلسطينيين. هذا التحول تعمّق بعد هجوم حماس في 7 أكتوبر 2023، الذي عزز موقع الحكومة اليمينية بزعامة بنيامين نتنياهو، وأضعف أي صوت ينادي بتسوية سياسية. ومع ذلك، يشير هاس إلى أن الحرب المستمرة والدمار المترتب عليها لا يقدم لإسرائيل حلاً استراتيجياً، بل يرسخ حربًا أبدية تستنزفها سياسيًا وأمنيًا.
دولة منبوذة
أما على الجانب الفلسطيني، فإن الانقسامات الداخلية بين السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية وحماس في غزة جعلت الموقف أكثر تعقيدًا. ضعف القيادة الرسمية وعجزها عن تقديم تنازلات مقبولة، إضافة إلى رفض حماس الاعتراف بوجود إسرائيل، كلها عوامل أجهضت فرص التسوية في الماضي. ومع ذلك، يرى هاس أن وجود دولة فلسطينية سيخلق مسؤوليات جديدة على الفلسطينيين، حيث تصبح أي هجمات على إسرائيل أعمالًا حربية تُحاسَب عليها الدولة الناشئة، بدلًا من أن تبقى أفعال مجموعات مسلحة تعمل في فراغ سياسي.
إقامة دولة فلسطينية لا تمثل مصلحة للفلسطينيين وحدهم، بل قد تكون طوق نجاة لإسرائيل أيضًا. فهي ستخفف من عزلة إسرائيل الدولية، وتمنع تحولها إلى “دولة منبوذة”، وتحد من خطر العقوبات الاقتصادية الأوروبية أو تراجع الدعم العسكري الأميركي. كما أن هذا الانفتاح يمكن أن يخفف من موجات العداء لإسرائيل ويقلل من تنامي معاداة السامية حول العالم.
مصلحة استراتيجية
الخيار إذن ليس ما إذا كان حل الدولتين مثاليًا أو مقبولًا من جميع الأطراف، بل ما إذا كانت إسرائيل مستعدة لاعتبار هذا الحل مصلحة استراتيجية لبقائها كدولة يهودية وديمقراطية في آن واحد. وفي المقابل، يتطلب الأمر من الفلسطينيين إظهار استعداد فعلي للعيش بسلام، بما يعيد الثقة في إمكانية إقامة كيان مستقر قادر على الوفاء بالتزاماته الدولية.
وفي غياب هذا المسار، فإن النتيجة تكاد تكون محسومة: إسرائيل ستظل عالقة في دائرة صراع دائم، يعيش فيه الفلسطينيون بلا دولة، وتظل هي في مواجهة حرب لا تنتهي، بما يحمله ذلك من استنزاف داخلي وعزلة خارجية متزايدة.






