منذ الإعلان عن الهدنة بين الولايات المتحدة وإيران، بدت ملامح الارتباك واضحة في مواقف الطرفين، مع تباين التفسيرات حول نطاقها وحدودها، ففي الوقت الذي شدد فيه الرئيس الأميركي دونالد ترامب على أن الاتفاق مشروط بـ”الالتزام الكامل”، مع إبقاء القوات الأميركية في حالة جاهزية، لوّح بإمكانية استئناف العمليات العسكرية بشكل “أكبر وأقوى” حال انهيار التفاهم.
في المقابل، أكدت الإدارة الأميركية أن بعض الجبهات، وعلى رأسها لبنان، لا تندرج ضمن اتفاق وقف إطلاق النار، وهو ما أعلنه نائب الرئيس جاي دي فانس صراحة، محذرًا من أن أي تصعيد هناك قد يقوض المفاوضات ويؤدي إلى “عواقب وخيمة”.
لبنان خارج الحسابات
أحد أبرز نقاط التوتر في الهدنة تمثل في الجبهة اللبنانية، حيث واصلت إسرائيل عملياتها العسكرية بشكل مكثف، معتبرة أن وقف إطلاق النار لا يشمل حزب الله.
وأكد رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو أن تل أبيب تحتفظ بحق استئناف العمليات ضد إيران في أي وقت، مع استمرار الضربات لتحقيق أهدافها العسكرية في لبنان.
ميدانيًا، شنت إسرائيل سلسلة غارات عنيفة على الضاحية الجنوبية لبيروت ومناطق في الجنوب بعد ساعات فقط من بدء الهدنة، ما أسفر عن سقوط أكثر من 180 قتيلاً، في تصعيد يعد من الأعنف منذ بداية الحرب.
ورد حزب الله بقصف مواقع في شمال إسرائيل، مؤكدًا استمرار عملياته “ردًا على الخروقات”.
تهديد إيراني بالانسحاب
وفي ظل هذا التصعيد، لوحت طهران بإمكانية الانسحاب من الهدنة، معتبرة أن استمرار الضربات الإسرائيلية، خاصة في لبنان، يمثل خرقًا غير مباشر للاتفاق. وذكرت تقارير أن القيادة الإيرانية تدرس خياراتها، وسط تصاعد الضغوط الداخلية والخارجية.
ويعكس هذا التلويح هشاشة التفاهم منذ بدايته، ويطرح تساؤلات جدية حول قدرة الأطراف على احتواء التوترات المتشابكة في المنطقة، خاصة مع تعدد الفاعلين وتداخل الجبهات.
هجمات في الخليج
وإقليميًا، لم تتوقف الهجمات المنسوبة لإيران على دول الخليج، حيث أعلنت عدة دول، من بينها الإمارات والسعودية والبحرين والكويت، عن اعتراض صواريخ وطائرات مسيّرة خلال الساعات الماضية.
ففي الإمارات، تم التصدي لهجمات صاروخية وجوية عبر منظومات الدفاع الجوي، بينما أعلنت السعودية اعتراض 9 طائرات مسيّرة استهدفت منشآت حيوية، مع تقارير عن استهداف خط الأنابيب “شرق-غرب”، أحد أهم شرايين نقل النفط في المملكة.
أما البحرين والكويت، فقد أعلنتا أيضًا عن اعتراض عشرات الصواريخ والمسيّرات، في مؤشر واضح على اتساع رقعة المواجهة، رغم سريان الهدنة نظريًا.
مضيق هرمز تحت الضغط
وعلى صعيد الملاحة الدولية، لا يزال مضيق هرمز يمثل نقطة توتر رئيسية، حيث تشير البيانات إلى تباطؤ حركة السفن ووجود مئات الناقلات العالقة، في ظل استمرار القيود الأمنية وارتفاع تكاليف التأمين.
ويعكس هذا الوضع فقدان الثقة في استقرار الهدنة، خاصة مع استمرار التهديدات الأمنية، ما ينذر بتداعيات محتملة على أسواق الطاقة العالمية وسلاسل الإمداد.
وتكشف التطورات المتسارعة منذ بدء الهدنة عن واقع معقد، حيث لم تنجح حتى الآن في احتواء بؤر التوتر الرئيسية المرتبطة بإيران، سواء في لبنان أو الخليج أو الممرات الملاحية الحيوية.
ومع استمرار التصعيد العسكري وتبادل التهديدات، يبدو أن الاتفاق يواجه اختبارًا حقيقيًا في أيامه الأولى، قد يحدد مصيره سريعًا، بين الاستمرار الهش أو الانهيار الكامل، في منطقة لا تحتمل مزيدًا من التصعيد.




