بيان حركة حماس الأخير في الذكرى الـ56 لإحراق المسجد الأقصى المبارك يكشف مجدداً عن أزمة عميقة في خطاب الحركة السياسي، القائم على تكرار البيانات الحماسية التي تضع نفسها في موقع “الممثل الشرعي” للشعب الفلسطيني، في وقت يعيش فيه قطاع غزة واحدة من أعقد الكوارث الإنسانية في تاريخه. ورغم ما يحمله البيان من لغة عالية السقف حول “الهوية الإسلامية للأقصى” و”وحدة الأمة”، إلا أنه يتجاهل الواقع المأساوي لأكثر من مليوني إنسان في غزة، حيث تتفاقم المجاعة وتنهار البنى التحتية تحت وطأة الحصار والحرب.
المقاومة أداة لتبرير المعاناة
حماس، التي تواصل إصرارها على الجمع بين كونها حركة مقاومة وسلطة أمر واقع، تكتفي بإصدار البيانات السياسية والدعوات إلى الحشود الجماهيرية، من دون أن تقدم حلولاً عملية لتخفيف معاناة سكان القطاع أو تنفتح على بدائل سياسية قد تقود إلى انفراجة حقيقية. الأخطر أن الحركة لا تزال ترفض بشكل قاطع أي نقاش جاد حول مستقبل سلاحها أو آلية تسليمه في إطار تسوية وطنية شاملة، مفضّلة استخدامه كورقة تفاوض ومكسب سياسي على حساب دماء المدنيين. وهكذا، يتحول شعار “المقاومة حتى التحرير” إلى أداة لتبرير استمرار المعاناة اليومية، في حين تُغلق الأبواب أمام أي مسار يمكن أن يؤدي إلى رفع الحصار أو فتح المعابر أو استعادة الحياة الطبيعية للغزيين.
تجاهل الحركة للواقع الإنساني في غزة، والتركيز المفرط على الشعارات الكبرى والصراع الوجودي، يعكس إصراراً على إدارة الأزمة بمنطق “الشرعية الثورية” لا بمنطق المسؤولية الوطنية. وفي الوقت الذي تتحدث فيه عن “التحرك العربي والإسلامي” و”عزل إسرائيل دولياً”، تتهرّب من الاستحقاقات الداخلية الضرورية، مثل المصالحة الفلسطينية أو توحيد القرار السياسي. هذا الانفصال بين الخطاب والشعب يفاقم عزلة حماس ويجعلها تبدو وكأنها تتحدث من برج سياسي مغلق، بعيداً عن معاناة الناس الذين ترفع باسمهم الشعارات.
مكاسب رمزية
إن تمسّك حماس بخطابها التقليدي، ورفضها مراجعة سياساتها أو تقديم تنازلات عملية لإنقاذ غزة، يحوّلها إلى قوة مهووسة بالمكاسب الرمزية والسياسية أكثر من انشغالها بمستقبل سكان القطاع. في ظل هذا النهج، يظل الأفق مسدوداً، وتظل المعاناة الإنسانية رهينة بيانات تكرّس الانقسام وتعيد إنتاج الفشل، بدل أن تؤسس لمرحلة جديدة تُخرج غزة من دوامة الحصار والحروب المتكررة.






