في تصعيد سياسي وإعلامي جديد، وجه المرشد الإيراني مجتبى خامنئي رسالة حملت اتهامات مباشرة إلى الولايات المتحدة وإسرائيل بالسعي إلى “زرع الانقسام” داخل المجتمع الإيراني، مؤكداً أن إيران تواجه ما وصفه بـ«حرب نفسية ومعنوية» تستهدف تفكيك الجبهة الداخلية بعد الضربات والتوترات العسكرية الأخيرة في المنطقة.
وجاءت تصريحات خامنئي في توقيت بالغ الحساسية، مع استمرار التوتر في الخليج، وتزايد الحديث عن مفاوضات غير معلنة بين واشنطن وطهران، وسط مخاوف من انهيار وقف إطلاق النار الهش الذي أُعلن في أبريل الماضي، بعد سلسلة من الاشتباكات والهجمات المتبادلة.
«الحرب على إيران» تنتقل إلى الداخل
وفي رسالته المكتوبة، قال خامنئي إن الولايات المتحدة وإسرائيل تحاولان استخدام أدوات “الشك واليأس والخوف وانعدام الثقة” من أجل إضعاف إيران من الداخل، معتبراً أن الهدف الحقيقي هو ضرب التماسك الشعبي وإثارة الانقسامات السياسية والاجتماعية داخل البلاد.
وأضاف أن “الأداة الرئيسية” للأعداء تتمثل في بث الإحباط والانقسام بين الإيرانيين، داعياً المواطنين إلى “الثبات والبصيرة” وعدم الانجرار خلف ما وصفه بـ«دعاية العدو».
وتعكس هذه الرسائل قلقاً متزايداً لدى القيادة الإيرانية من تأثير الضغوط الاقتصادية والعسكرية المتراكمة على الشارع الإيراني، خاصة مع استمرار العقوبات الأميركية وارتفاع تكاليف المواجهة الإقليمية.
طهران تتمسك بخطاب «الانتصار»
اللافت في خطاب خامنئي أنه جاء بصيغة تؤكد أن إيران تلقت “ضربة حاسمة” لكنها ما زالت قادرة على الصمود، وهو ما يراه مراقبون محاولة لاحتواء أي اهتزاز داخلي قد ينشأ نتيجة التطورات الأخيرة.
وتسعى طهران خلال الفترة الحالية إلى تعزيز خطاب “الوحدة الوطنية” في مواجهة الضغوط الخارجية، خصوصاً بعد تصاعد التوترات العسكرية في الخليج، وعودة المخاوف من اتساع دائرة الحرب لتشمل جبهات متعددة.
ويرى محللون أن القيادة الإيرانية تدرك أن المعركة الحالية لم تعد عسكرية فقط، بل تحولت إلى معركة رأي عام، وحرب استنزاف اقتصادية ونفسية تستهدف التأثير على الداخل الإيراني بصورة مباشرة.
ترمب يلمح لاتفاق قريب
وفي المقابل، أثار الرئيس الأميركي دونالد ترمب جدلاً واسعاً بعد حديثه عن إمكانية التوصل إلى اتفاق قريب مع إيران، مؤكداً خلال تصريحات من المكتب البيضاوي أن المفاوضات “تسير بشكل جيد جداً”.
وقال ترمب: “من يدري… قد تكون النهاية في نهاية هذا الأسبوع”، في إشارة فسّرها البعض على أنها محاولة لفتح باب تسوية سياسية، رغم استمرار التوترات الأمنية والعسكرية في المنطقة.
لكن هذه التصريحات جاءت متزامنة مع تحركات سياسية داخل الولايات المتحدة تعكس حالة انقسام حاد بشأن الحرب، بعدما صوّت مجلس النواب الأميركي على قرار يدعو إلى سحب القوات الأميركية من الحرب ضد إيران.
ضربة سياسية داخل واشنطن
ورغم أن القرار يحمل طابعاً رمزياً بسبب امتلاك الرئيس الأميركي حق النقض “الفيتو”، فإن تمريره بدعم أربعة نواب جمهوريين شكّل رسالة سياسية قوية تكشف تصاعد الاستياء داخل المؤسسة الأميركية من استمرار المواجهة العسكرية.
وتواجه إدارة ترمب ضغوطاً متزايدة بسبب تداعيات الحرب على الاقتصاد الأميركي، خاصة مع ارتفاع أسعار الطاقة واضطراب حركة الملاحة في الخليج، الأمر الذي انعكس على الأسواق العالمية بصورة مباشرة.
ويرى مراقبون أن الإدارة الأميركية باتت عالقة بين خيارين صعبين؛ إما مواصلة التصعيد العسكري وتحمل كلفته الاقتصادية والسياسية، أو التوجه نحو اتفاق قد يُفسَّر داخلياً على أنه تراجع أمام إيران.
الخليج على صفيح ساخن
وعلى الأرض، لا تزال منطقة الخليج تعيش حالة استنفار غير مسبوقة، مع تواصل الهجمات المتفرقة والتوترات الأمنية التي تهدد اتفاق وقف إطلاق النار المعلن منذ 8 أبريل الماضي.
وشهدت الأسابيع الأخيرة سلسلة من الخروقات الأمنية والهجمات البحرية التي أعادت المخاوف بشأن أمن الملاحة في مضيق هرمز، أحد أهم شرايين الطاقة في العالم.
كما تتزايد التحذيرات الدولية من أن أي انهيار كامل للهدنة قد يدفع المنطقة إلى مواجهة مفتوحة تشمل أطرافاً إقليمية ودولية متعددة، في ظل تشابك المصالح العسكرية والاقتصادية في الخليج.
وفي الوقت نفسه، تتابع إسرائيل التطورات عن كثب، وسط مخاوف من أن تؤدي أي تسوية أميركية – إيرانية إلى إعادة ترتيب موازين القوى الإقليمية بصورة لا تخدم المصالح الإسرائيلية.
وتعتبر تل أبيب أن البرنامج النووي الإيراني، إلى جانب النفوذ العسكري لطهران في المنطقة، يمثلان تهديداً استراتيجياً مباشراً، وهو ما يدفعها إلى دعم سياسة الضغوط القصوى على إيران.
لكن استمرار الحرب والتصعيد المتبادل يثير أيضاً مخاوف إسرائيلية من اتساع نطاق الاشتباك إلى جبهات أخرى، خاصة في ظل هشاشة الوضع الأمني في المنطقة.
هل تقترب التسوية أم تتوسع الحرب؟
ورغم الحديث المتكرر عن مفاوضات واتفاقات محتملة، فإن المشهد لا يزال شديد التعقيد، مع غياب أي مؤشرات واضحة على حدوث اختراق سياسي حقيقي حتى الآن.
فالرسائل الإيرانية الأخيرة تعكس تمسك طهران بخطاب المواجهة والصمود، بينما تحاول واشنطن إبقاء باب التفاوض مفتوحاً دون التخلي عن سياسة الضغط العسكري والاقتصادي.
وبين التصعيد والتهدئة، تبقى المنطقة أمام احتمالين متناقضين؛ إما انفراجة سياسية مفاجئة تنهي واحدة من أخطر الأزمات الإقليمية، أو انزلاق جديد نحو مواجهة أوسع قد تعيد رسم خريطة التوازنات في الشرق الأوسط بالكامل.




