أعلنت لجنة التحقيق التي شكّلتها الحكومة السورية عقب أحداث العنف الدامية في محافظة السويداء، أنها اعتقلت واستجوبت عناصر من وزارتي الدفاع والداخلية للاشتباه بارتكابهم انتهاكات جسيمة ضد المدنيين خلال شهر يوليو (تموز) الماضي.
المتحدث باسم اللجنة، عمار عز الدين، أوضح أن المشتبه بهم جرى مواجهتهم بمقاطع فيديو موثقة تُظهر تورطهم المباشر في عمليات قتل وإعدامات ميدانية، مؤكداً أن «الاعترافات جاءت صريحة بعد عرض الأدلة».
مأساة يوليو: اشتباكات تحولت إلى مجزرة
اندلعت الأحداث في السويداء نتيجة مواجهات بين عشائر محلية وفصائل درزية، قبل أن تتوسع رقعتها عقب دخول قوات الجيش والأمن إلى المنطقة. وأسفرت الاشتباكات وما تلاها من عمليات عنف عن مقتل مئات الأشخاص، وسط اتهامات مباشرة للقوات الحكومية بارتكاب إعدامات جماعية موثقة بالصوت والصورة.
شهادات الأهالي تحدثت عن إعدام رجال ونساء أمام الكاميرات، وهو ما أشعل غضباً واسعاً داخل المجتمع المحلي ورفع حدة التوتر بين العشائر والسلطات.
الأدلة المصورة تقود إلى الاعترافات
بحسب عز الدين، فإن الفيديوهات التي وثّقها الجنود والمسلحون بأنفسهم كانت «الدليل الأقوى» الذي ساعد على اختراق جدار الإنكار.
وأكد أن اللجنة استخدمت هذه المواد كـ«قرائن دامغة» لدعم الاتهامات، مشيراً إلى أن معظم الموقوفين اعترفوا بالفعل بارتكابهم الجرائم وقدموا مبررات واهية لتصرفاتهم.
وشدد المتحدث على أن المحاكمات ستكون علنية حال انتهاء التحقيقات، وأن الموقوفين سيُحالون إلى القضاء السوري بتهم تتعلق بجرائم قتل خارج نطاق القانون. لكنه لم يحدد العدد الدقيق للمعتقلين، مكتفياً بالقول إنهم «مواطنون سوريون تصرفوا بصفة فردية».
ورغم ذلك، يرى مراقبون أن اقتصار التوصيف على «المسؤولية الفردية» قد يعكس محاولة لتخفيف الضغط عن المؤسسات العسكرية والأمنية.
ضغوط دولية ومنظمات حقوقية
منظمة العفو الدولية كانت قد أصدرت بياناً دعت فيه السلطات السورية إلى محاسبة الجناة المسؤولين عن إعدام رجال ونساء من الطائفة الدرزية يومي 15 و16 يوليو.المنظمة أكدت أن الإفلات من العقاب سيقوّض فرص التهدئة والاستقرار في السويداء، مشيرة إلى أن الجرائم التي ارتُكبت قد ترقى إلى «جرائم ضد الإنسانية».
ويقول محللون إن تجاوب دمشق مع هذه الضغوط قد يكون مدفوعاً بالرغبة في تجنب عزلة إضافية، خاصة في ظل حساسية الموقف الطائفي في السويداء وما يمثله من تهديد لاستقرار الجنوب السوري.
رسائل سياسية خلف خطوات التحقيق
إطلاق التحقيق واعتقال عناصر أمنية وعسكرية لا يُقرأ فقط من زاوية العدالة، بل يُنظر إليه أيضاً كرسالة سياسية داخلية وخارجية. فالنظام السوري يحاول طمأنة الدروز في السويداء بأنه لن يتسامح مع الجرائم، وفي الوقت نفسه يوجه رسالة للمجتمع الدولي بأنه قادر على «ضبط مؤسساته» ومحاسبة المسيئين.
غير أن التساؤلات تظل قائمة: هل ستُترجم هذه الوعود إلى محاكمات فعلية، أم ستبقى مجرد خطوة لامتصاص الغضب الشعبي والدولي؟
مستقبل السويداء على المحك
الأحداث الدامية في السويداء لم تكن مجرد اشتباكات محلية، بل فتحت الباب واسعاً أمام نقاشات حول مستقبل العلاقة بين السلطة والمجتمع المحلي في الجنوب السوري.
ومع تزايد الدعوات إلى استقلالية أوسع في إدارة شؤون المحافظة، فإن أي تلكؤ في محاسبة المتورطين قد يفاقم مشاعر السخط، ويهدد باندلاع جولات جديدة من العنف.
من المحليات إلى السياسة الوطنية
يرى مراقبون أن ما يجري في السويداء يتجاوز كونه صراعاً محلياً، إذ يعكس هشاشة البنية الأمنية والسياسية في سوريا، ويعيد إلى الواجهة سؤالاً محورياً: هل يمكن للنظام أن يستعيد الثقة عبر محاكمات ومساءلة حقيقية، أم أن الحل يبقى رهناً بعملية سياسية شاملة تنفذ القرار الأممي 2254؟






