في توقيت بالغ الحساسية، قرر المبعوث الأميركي إلى العراق مارك سافايا، فتح واحداً من أخطر الملفات العالقة، معلناً مراجعة شاملة للمدفوعات والمعاملات المالية المشبوهة، وسط تحذيرات عراقية من تداعيات سياسية واقتصادية قد تهز المشهد الهش.
مفاجأة سياسية داخلية
جاءت الخطوة الأميركية متزامنة مع مفاجأة سياسية داخلية فجرها رئيس الوزراء محمد شياع السوداني، حين تنازل عن حقه في تشكيل الحكومة لصالح نوري المالكي، ما ألقى بظلال كثيفة على تماسك «الإطار التنسيقي» الشيعي.
وأعلن سافايا، الذي حظي بإشادة مباشرة من الرئيس الأميركي دونالد ترمب، عن تنسيق مع وزارة الخزانة الأميركية ومكتب مراقبة الأصول الأجنبية لإجراء تدقيق واسع في سجلات المدفوعات المشبوهة، ومناقشة عقوبات مرتقبة تستهدف شبكات متهمة بتقويض النزاهة المالية وتمويل أنشطة إرهابية. وأكد أن المراجعة تشمل مؤسسات وشركات وأفراداً مرتبطين بعمليات تهريب وغسل أموال وعقود احتيالية.
وأوضح المبعوث الأميركي أن المباحثات ركزت على إصلاح المصارف الحكومية والخاصة، وتعزيز الحوكمة والامتثال والمساءلة، مشدداً على أن «العلاقة بين العراق والولايات المتحدة لم تكن أقوى مما هي عليه اليوم» في ظل إدارة ترمب. ورغم حدّة التصريحات، لم يقم سافايا حتى الآن بزيارة رسمية إلى بغداد منذ توليه منصبه، مكتفياً بتحركات سياسية وضغوط دبلوماسية من الخارج.
تحذير مباشر للنخبة
وفي المقابل، يرى وزير الكهرباء الأسبق لؤي الخطيب أن الرسائل الأميركية الأخيرة تمثل تحذيراً مباشراً للنخبة السياسية العراقية، مؤكداً أن واشنطن تراقب عن كثب خيارات «الإطار التنسيقي» في تشكيل الحكومة المقبلة.
ودعا الخطيب إلى اختيار شخصيات مهنية ذات قبول دولي، قادرة على تفادي عقوبات محتملة قد تُغرق البلاد في عزلة سياسية واقتصادية.
وأشار الخطيب إلى أن المشهد العراقي «مرتبك ومعقّد»، محذراً من أن استمرار السياسات التقليدية واختيار شخصيات غير مقبولة دولياً قد يدفع الاقتصاد نحو الهاوية. وأضاف أن تشكيل الحكومة المقبلة سيكون بمثابة الرسالة الرسمية للعراق إلى المجتمع الدولي، إما بالانفتاح أو بالمواجهة.
وسياسياً، لم تُحسم بعد عقدة منصب رئيس الوزراء داخل «الإطار التنسيقي». فعلى الرغم من التوافق المبدئي على ترشيح نوري المالكي، بناء على اقتراح السوداني، إلا أن خطوة تنازل الأخير فجّرت خلافات داخلية أربكت حسابات الإطار، وفتحت الباب مجدداً أمام سيناريوهات متعددة، قد تعيد السوداني إلى الواجهة أو تُدخل البلاد في جمود سياسي جديد.
خط أحمر أمام القوى المسلحة
وتشير الرسائل الأميركية المتلاحقة، سواء من سافايا أو من القائم بالأعمال الأميركي جوشوا هاريس، إلى أن واشنطن لا تركز فقط على اسم رئيس الوزراء، بل تضع «خطاً أحمر» أمام مشاركة القوى المسلحة في الحكومة المقبلة، إلى جانب ملف حصر السلاح بيد الدولة، وهو ما يزيد تعقيد المشهد في ظل تمثيل تلك القوى بأكثر من 80 مقعداً في البرلمان.
وتأتي التحركات الأميركية الأخيرة في توقيت بالغ الحساسية بالنسبة للعراق، الذي يواجه ضغوطاً متزايدة على المستويين السياسي والاقتصادي، في ظل أزمة ثقة داخلية بشأن إدارة الملفات المالية وانتشار شبهات الفساد وغسل الأموال.
ومع تصاعد الحديث عن مراجعة شاملة للمدفوعات والمعاملات المشبوهة، يبرز القلق من أن تتحول هذه الخطوة إلى أداة ضغط دولية تعيد فتح ملفات قديمة تتعلق بتهريب الأموال وتمويل جماعات مسلحة، بما يهدد الاستقرار المالي ويضع بغداد أمام اختبارات قاسية في علاقتها مع واشنطن.
ارتباك المشهد العراقي
جدير بالذكر أن المشهد السياسي العراقي يعيش حالة من الارتباك، بعد أن كشفت الخلافات داخل «الإطار التنسيقي» الشيعي عن هشاشة التوافقات التي أفرزتها الانتخابات التشريعية الأخيرة.
وأدت خطوة رئيس الوزراء محمد شياع السوداني بالتنازل عن حقه في تشكيل الحكومة لصالح نوري المالكي إلى تعميق الانقسامات، وطرح تساؤلات حول قدرة القوى الشيعية على إدارة المرحلة المقبلة، خصوصاً في ظل رسائل أميركية متشددة ترفض مشاركة الفصائل المسلحة في الحكومة الجديدة.
وتتداخل الضغوط الخارجية مع تحديات داخلية مزمنة، أبرزها تراجع الوضع الاقتصادي، وغياب الإصلاحات الهيكلية، واستمرار الجدل حول حصر السلاح بيد الدولة.




