بعد شهر من التصعيد المتسارع في اليمن، أعلنت السلطات في 30 ديسمبر/كانون الأول حالة الطوارئ عقب غارات جوية سعودية استهدفت سفن شحن مرتبطة بالإمارات في جنوب البلاد. هذا التطور فتح باب التساؤلات: هل يتحول اليمن إلى ساحة مواجهة مفتوحة بين قوتين خليجيتين طالما جمعت بينهما الشراكة والتحالف؟
شرخ متزايد بين الرياض وأبو ظبي
الرياض، الداعم الرئيسي للحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، أبدت رد فعل حاداً على التحركات الأخيرة التي قام بها الانفصاليون الجنوبيون بدعم إماراتي مطلع ديسمبر. ووفق قراءة كوينتين مولر، فإن ما يجري لا يمكن فهمه بمعزل عن مسار طويل من التراكمات السياسية والعسكرية.
يقول مولر إن أبو ظبي اتبعت، منذ عام 2019، استراتيجية توسعية هادئة ولكن منهجية؛ إذ “تمدّدت الإمارات تدريجياً داخل مناطق خاضعة للحكومة الشرعية، إلى أن أصبحت اليوم القوة المهيمنة فعلياً على جنوب اليمن عبر المجلس الانتقالي الجنوبي”. وبحسب تحليله، فإن هذا التمدد لم يكن طارئاً أو مرتبطاً فقط بمواجهة الحوثيين، بل جزء من رؤية جيوسياسية أوسع.
مشروع جيوسياسي يتجاوز شعار مكافحة الحوثيين
وراء الخطاب الرسمي الذي يركز على محاربة الحوثيين، يوضح مولر أن أبو ظبي “كانت تمتلك أجندة مختلفة: السيطرة على جنوب اليمن، وخصوصاً واجهته البحرية”، في إشارة إلى الشريط الساحلي الممتد من بحر العرب إلى باب المندب وصولاً إلى البحر الأحمر. هذه المنطقة تمثل شرياناً استراتيجياً لتدفقات الطاقة والتجارة العالمية، ما يجعل السيطرة عليها ورقة نفوذ إقليمي ودولي بالغة الأهمية.
مواجهة نفوذ… ومفترق تاريخي في الخليج
في مواجهة هذا التوسع، اتخذت الرياض خطوة عسكرية مباشرة ضد وكلاء أبو ظبي في الجنوب، في ما يصفه مولر بأنه منعطف غير مسبوق في العلاقات داخل الخليج. ويلخّص قائلاً: “كان التدخل في الحرب اليمنية بالنسبة للسعوديين والإماراتيين أشبه بتقاسم كعكة النفوذ. لكن الإمارات — برأيي — استحوذت على حصة أكبر مما تتحمله المعادلة”، الأمر الذي دفع السعودية إلى رد فعل عسكري لا تزال نتائجه مفتوحة على احتمالات عديدة.
اليمن بين صراع القوى وانهيار الحياة اليومية
ورغم الطابع الجيوسياسي للصراع، يشدد مولر على أن الثمن الحقيقي يُدفَع داخل المجتمع اليمني. فبينما تتسابق القوى الإقليمية على ترسيخ مواقعها، تتواصل معاناة المدنيين بصمت. ويقول إن “بعض المناطق بلا مدارس منذ عام، والموظفون الحكوميون لا يتقاضون رواتبهم، فيما تُغلق مستشفيات أبوابها تباعاً”. ويضيف أن “المدنيين لم يعودوا يموتون بفعل المعارك المباشرة بقدر ما يُستنزفون بسبب انهيار الخدمات العامة وانعدام مقومات الحياة”.
بلد محاصر بين تنافسات خارجية وآمال غائبة
وبحسب قراءة كوينتين مولر، فإن اليمن اليوم يقف عند مفترق حساس: صراع نفوذ يتجاوز حدوده الداخلية، ويحوّل أراضيه إلى ساحة تصفية حسابات بين شركاء الأمس. وفي ظل غياب أفق سياسي واضح، تبدو المخاطر الإنسانية مرشحة للتفاقم، ما لم تُستعاد الأولوية لحقوق السكان واستقرارهم على حساب الحسابات الاستراتيجية.






