تكثّف الولايات المتحدة ضغوطها على الطبقة السياسية العراقية، ملوّحةً بعقوبات غير مسبوقة قد تطال صميم الدولة العراقية، بما في ذلك عائداتها النفطية الحيوية، في حال تم إشراك جماعات مسلحة مدعومة من إيران في الحكومة الجديدة. هذا التحذير، الذي كشفته مصادر متعددة، يعكس تصعيداً واضحاً في سياسة إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب الهادفة إلى تقليص نفوذ طهران داخل العراق، البلد الذي ظل لسنوات ساحة توازن هش بين القوتين المتنافستين.
رسائل تحذير مباشرة إلى قادة بغداد
بحسب أربعة مصادر مطلعة، نقل القائم بالأعمال الأميركي في بغداد، جوشوا هاريس، الرسالة الأميركية بشكل متكرر خلال الشهرين الماضيين إلى كبار المسؤولين العراقيين وقادة سياسيين شيعة نافذين، في لقاءات مغلقة أعقبت الانتخابات التشريعية التي جرت في نوفمبر/تشرين الثاني. ولم تقتصر التحذيرات على القنوات الرسمية، بل وصلت أيضاً إلى قادة فصائل مرتبطة بإيران عبر وسطاء.
المصادر أوضحت أن جوهر الرسالة كان واضحاً: أي مشاركة لعناصر تعتبرها واشنطن مرتبطة بالجماعات المسلحة المدعومة من طهران ستؤدي إلى تعليق التعاون الأميركي مع الحكومة الجديدة، مع ما يحمله ذلك من تبعات اقتصادية خطيرة.
58 نائباً في مرمى الضغط الأميركي
تركزت التحذيرات الأميركية، وفق المصادر، على 58 عضواً في البرلمان العراقي تصنّفهم واشنطن ضمن دائرة النفوذ الإيراني. وقال مسؤول عراقي إن الموقف الأميركي وصل إلى حد التلويح بتجميد تحويلات الدولار في حال تمثيل أي من هؤلاء في مجلس الوزراء، في خطوة تُظهر حجم النفوذ المالي الذي تمتلكه الولايات المتحدة على الاقتصاد العراقي.
ويأتي ذلك في وقت لا يزال فيه تشكيل الحكومة الجديدة متعثراً، وسط صراعات داخلية على الأغلبية وتوازنات دقيقة بين القوى السياسية، ما يجعل هذا الضغط عاملاً إضافياً يزيد من تعقيد المشهد.
الدولار… سلاح النفوذ الأشد
تمتلك الولايات المتحدة ورقة ضغط شديدة الحساسية: السيطرة الفعلية على عائدات النفط العراقي المقومة بالدولار. فمنذ الغزو الأميركي عام 2003، تُودَع معظم إيرادات صادرات العراق النفطية في حساب تابع للبنك المركزي العراقي لدى بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك. ورغم أن الحساب يُعد سيادياً، إلا أن هذا الترتيب يمنح واشنطن قدرة عملية على التأثير في شريان الاقتصاد العراقي.
ولم تُقدم الإدارات الأميركية المتعاقبة على وقف تدفق عائدات النفط بشكل كامل، لكنها شددت الخناق تدريجياً عبر فرض عقوبات على أكثر من اثني عشر بنكاً عراقياً خلال السنوات الأخيرة، في محاولة للحد من استخدام النظام المالي العراقي كقناة لتجاوز العقوبات المفروضة على إيران.
إيران والعراق: تشابك السياسة والاقتصاد
تنظر طهران إلى العراق بوصفه متنفساً اقتصادياً أساسياً في ظل العقوبات الدولية، وقد استفادت طويلاً من النظام المصرفي العراقي لتأمين تدفقات مالية حيوية. في المقابل، ترى واشنطن أن تقليص هذا الدور يشكل جزءاً محورياً من استراتيجيتها لإضعاف النفوذ الإيراني في المنطقة.
وفي هذا السياق، قال متحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية إن دعم واشنطن لسيادة العراق “لا يترك أي مجال لميليشيات مدعومة من إيران تسعى لتحقيق مصالح خبيثة أو نشر الإرهاب”، في إشارة مباشرة إلى الفصائل المسلحة المنخرطة في العمل السياسي.
الجماعات المسلحة داخل الدولة
خلال السنوات الأخيرة، انتقلت فصائل مسلحة مدعومة من إيران من ساحات القتال إلى أروقة السياسة، وخاضت الانتخابات البرلمانية وحصدت مقاعد، ساعيةً إلى ترسيخ نفوذها داخل مؤسسات الدولة والاستفادة من ثروة العراق النفطية.
ويرى محللون أن هذا التغلغل المؤسسي جعل هذه الجماعات أكثر حساسية تجاه التهديدات الأميركية. وقال ريناد منصور، مدير مبادرة العراق في مركز تشاتام هاوس بلندن، إن خطر فقدان الوصول إلى الدولار الأميركي “مسألة مقلقة للغاية”، لأن الاقتصاد العراقي يعتمد بشكل شبه كامل على هذه التدفقات.
معركة منصب نائب البرلمان
أحد أبرز تجليات الضغط الأميركي ظهر في ملف عدنان فيحان، العضو البارز في جماعة عصائب أهل الحق المدعومة من إيران، والذي انتُخب نائباً أول لرئيس البرلمان أواخر ديسمبر/كانون الأول. وأكدت مصادر أن واشنطن عارضت تعيينه، في إشارة إلى رفضها منح مواقع سيادية لشخصيات مرتبطة بفصائل مسلحة.
ووفق مسؤول عراقي، أبلغ رئيس مجلس النواب قيس الخزعلي الجانب الأميركي بنيته إقالة فيحان، في خطوة اعتُبرت مؤشراً على فعالية الضغوط، رغم أن الأخير لا يزال يشغل منصبه حتى الآن.
شبكات نفط وعقوبات قديمة
في الحكومة السابقة، تولت فصائل مرتبطة بإيران حقائب وزارية، بينها وزارة التربية والتعليم، وتسعى هذه القوى، بحسب مصادر، إلى دور مماثل في الحكومة المقبلة. كما تشير تقارير إلى تورط بعض هذه الفصائل في شبكات تهريب نفط متطورة، درّت على إيران ووكلائها في العراق ما لا يقل عن مليار دولار سنوياً.
وكانت واشنطن قد فرضت عقوبات على قيس الخزعلي عام 2019، على خلفية اتهامات بانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، شملت قتل متظاهرين وهجمات على قوات أميركية، وهي عقوبات وصفها حينها بأنها “تافهة”.
رسالة تتجاوز العراق
يتزامن تشديد القبضة الأميركية على بغداد مع خطوات موازية في ملفات أخرى، أبرزها النفط الفنزويلي، حيث أعلنت واشنطن أن عائدات مبيعاته ستُودَع في حسابات تخضع لسيطرتها، بعد نقل الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو إلى نيويورك لمحاكمته.
وفي هذا السياق الأوسع، تبدو الرسالة الأميركية واضحة: السيطرة على الدولار وعائدات النفط باتت أداة مركزية في إعادة رسم توازنات النفوذ، والعراق يقف اليوم أمام خيار صعب بين إرضاء واشنطن أو المخاطرة باستقرار اقتصادي هشّ لا يحتمل صدمات جديدة.




