في خطوة أثارت جدلًا واسعًا داخل إسرائيل، نشر رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، وثيقة كاملة من 55 صفحة تتضمن إجاباته المقدمة إلى مراقب الدولة، ضمن التحقيق المتعلق بالإخفاقات التي سبقت هجوم السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023.
وسعى نتنياهو من خلال الوثيقة إلى تبرئة نفسه من مسؤولية منع الهجوم، ملقيًا باللوم على خصومه السياسيين وقادة المؤسسة الأمنية، ومقدمًا رواية تُظهره باعتباره الطرف الذي حذّر ودفع نحو اغتيال قادة حركة حماس، في مقابل معارضة مستمرة من الأجهزة الأمنية.
خلافات داخل المشهد السياسي الإسرائيلي
إصدار الوثيقة أعاد إلى الواجهة الخلافات العميقة داخل المشهد السياسي والأمني الإسرائيلي حول المسؤوليات، في وقت لا يزال فيه تحقيق مراقب الدولة مجمدًا بقرار من المحكمة العليا، وسط مطالبات شعبية متزايدة بتشكيل لجنة تحقيق رسمية مستقلة لكشف ملابسات ما يُعدّ أخطر إخفاق أمني في تاريخ إسرائيل.
في وقت سابق من اليوم، قدّم نتنياهو للمشرعين مواد كان قد سلمها سابقا لمراقب الدولة، تعود إلى السنوات التي سبقت هجوم 7 أكتوبر/تشرين الأول، الذي يُعدّ الأكثر تدميرا في تاريخ إسرائيل، والأكثر دموية بالنسبة لليهود منذ المحرقة النازية.
في إجاباته المقدمة إلى مراقب الدولة متانياهو إنغلمان، سعى نتنياهو إلى تعزيز موقفه عبر اقتباسات مختارة بعناية، زاعما أنه ضغط مرارا وتكرارا من أجل اغتيال قادة حماس، لكن رؤساء الأجهزة الأمنية عارضوا الفكرة باستمرار. وقد أثار نشره للوثيقة استنكارات حادة من شخصيات معارضة، أشارت إلى تحذيرات كانت قد أصدرتها في الأسابيع التي سبقت 7 أكتوبر من احتمال نشوب صراع متعدد الجبهات، مؤكدة أن حماس لم تكن مردوعة. حسب تايمز أوف إسرائيل.
احتلال قطاع غزة مرات عديدة
وقال نتنياهو: “على مدى عامين تقريبا، عمل مراقب الدولة بحرية كاملة، دون أي تدخل من النظام القضائي أو من أي جهة أخرى”. ولكن بعد ستة أيام فقط من تقديمي هذا الرد، قررت المحكمة العليا قبول طلب المستشارة القضائية للحكومة بوقف عمل مراقب الدولة فورا، وهو العمل الذي كان يهدف إلى كشف الحقيقة”، مطالبا المحكمة بإلغاء أمرها والسماح لإنغلمان بمواصلة التحقيق.
وحسب تايمز أوف إسرائيل، كرر نتنياهو دعوته لتشكيل لجنة تحقيق “ديمقراطية ومتوازنة” في أحداث 7 أكتوبر، على أن يُختار نصف أعضائها من قبل الحكومة والنصف الآخر من قبل المعارضة. وقد أظهرت استطلاعات الرأي باستمرار تأييد أغلبية واضحة من الإسرائيليين لتشكيل لجنة تحقيق رسمية، وهي أعلى سلطة تحقيق في إسرائيل، والتي يعارضها نتنياهو لأن القضاء هو من يقوم بتعيينها، مجادلا بأنها ستكون منحازة نظرا لأن حكومته تسعى للحد من صلاحيات المحاكم.
وقال نتنياهو لإنغلمان إنه درس إمكانية احتلال قطاع غزة مرات عديدة في السنوات التي سبقت اجتياح حماس في 7 أكتوبر لجنوب إسرائيل، لكن المؤسسة الأمنية رفضت الفكرة مرارا وتكرارا، بحجة أن الأمر سيتطلب حربا طويلة ومكلفة دون شرعية داخلية أو دولية، وأنه لا يوجد بديل جاهز لحماس للحكم.
خطأ استراتيجي فادح
نتنياهو، الذي لم يعترف قط بمسؤوليته المباشرة عن الإخفاقات التي أحاطت بأحداث 7 أكتوبر، صرّح بأنه ضغط مرارا وتكرارا لاغتيال قادة حماس، لكن قادة الأمن عارضوا الفكرة باستمرار. مع ذلك، أفادت تقارير عديدة، بل وصرح بعض كبار المسؤولين الأمنيين أنفسهم، علنا بأن نتنياهو وحكومته رفضوا مرارا وتكرارا خطط اغتيال قادة حماس البارزين. وفي الوقت نفسه، قال المراسل العسكري للقناة 13 أمام لجنة تحقيق مدنية مستقلة في مجازر عام 2023 بأن رئيس الوزراء “أكد في مناسبات عديدة قبل 7 أكتوبر/تشرين الأول أنه لا يؤمن بأي شكل من الأشكال بإمكانية اللجوء إلى عمل عسكري للإطاحة بنظام حماس”.
ووفقا للسجلات، وصف غانتس الفكرة بأنها “خطأ استراتيجي”، بينما قال آيزنكوت إنها ستكون “خطأ فادحا”. أما وزير الخارجية آنذاك، أفيغدور ليبرمان، الذي يرأس الآن حزبا معارضا، فقد صرّح قائلا: “أنا لا أوصي بالاحتلال أو الاجتياح البري”. ويتناقض ادعاء معارضة بينيت وليبرمان لاحتلال غزة مع مذكرات نتنياهو التي نُشرت قبل عام من هجوم 7 أكتوبر، حيث ذكر فيها أن كلا منهما أراد الإطاحة بحماس، مؤكدا أن بينيت على وجه الخصوص حثّ على “اجتياح بري واسع النطاق لاحتلال غزة”.
وكتب نتنياهو في مذكراته “بيبي: قصتي”: “لا يمكن تحقيق ذلك إلا بتدمير غزة تدميرا شاملا، مع سقوط عشرات الآلاف من الضحايا المدنيين”، مضيفا “بعد تدمير نظام حماس، سيتعين على إسرائيل حكم مليوني شخص في غزة لفترة غير محددة. لم تكن لدي أي نية للقيام بذلك، خاصة وأنني كنت أركز على إيران، التي تشكل تهديدا أكبر بكثير”.
أسرار وثائق نتنياهو
واختار نتنياهو نقاشا جرى عام 2016 قال فيه رئيس الشاباك آنذاك نداف أرغمان لنتنياهو إن اغتيال قادة حماس يحيى السنوار ومحمد الضيف لن يؤدي إلى انهيار حماس، في حين واصل رئيس الوزراء الدفع باتجاه اغتيالهما. وفي مقابلة أُجريت عام 2024، قال أرغمان إنه هو من ضغط لسنوات لتصفية قادة حماس، لكن حكومات نتنياهو هي من عرقلت ذلك. وفي النقاش نفسه عام 2016، نُقل عن رئيس الأركان آنذاك غادي آيزنكوت قوله إنه يعارض إسقاط حكم حماس، كما استبعد فكرة أن الاستخبارات الإسرائيلية قد تعجز عن رصد هجوم محتمل من قبل حماس.
كما ضمّن نتنياهو اقتباسات من نقاش جرى عام 2021 بعد عملية “حارس الأسوار” ضد حركة الجهاد الإسلامي الفلسطينية، عاد خلالها للضغط من أجل اغتيال السنوار والضيف، بينما عارض رئيس الأركان حينها أفيف كوخافي هذه السياسة بشدة. وشارك نتنياهو أيضا وثيقة صادرة عن الشاباك عام 2022 اقترحت تخفيف الضغط الاقتصادي على حماس بدلا من هزيمتها، إلى جانب سلسلة اجتماعات في عام 2023 طرح خلالها مسألة اغتيال قيادة حماس، لكنه واجه معارضة من الجيش والشاباك.




