تكشف الأرقام الصادرة عن الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني وسلطة جودة البيئة حجم الكارثة البيئية التي خلفها العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، والتي تجاوزت آثارها حدود الدمار المادي إلى تداعيات مناخية وبيئية غير مسبوقة، ومع تسجيل عشرات الملايين من الأطنان من الانبعاثات الكربونية، وتدمير البنية التحتية للمياه والصرف الصحي، وتراكم ملايين الأطنان من الركام والنفايات، بات القطاع يواجه تحديات بيئية وصحية تهدد حياة السكان ومستقبل الموارد الطبيعية.
كما تتزامن هذه الأوضاع مع تصاعد الانتهاكات البيئية في الضفة الغربية، ما يضع البيئة الفلسطينية أمام ضغوط متزايدة تستدعي تحركاً دولياً عاجلاً لدعم جهود التعافي وتعزيز القدرة على مواجهة آثار التغير المناخي والكوارث البيئية المتفاقمة.
كلفة كارثية للعداون الإسرائيلي
الانبعاثات الكربونية نتيجة عدوان الاحتلال الإسرائيلي على قطاع غزة بلغت 33.2 مليون طن من مكافئ ثاني أكسيد الكربون، وهو رقم ضخم يعادل إجمالي الانبعاثات السنوية لبعض الدول، فضلا عن أن هذه الانبعاثات تعادل ما ينتجه نحو 7.6 مليون سيارة تسير بالبنزين في عام كامل، وما تستطيع غابات مساحتها 133 الف كم2 امتصاصه من ثاني أكسيد الكريون خلال عام واحد. حسب بيان مشترك لجهاز الإحصاء المركزي وسلطة جودة البيئة.
هذه الكلفة الكارثية – حسب الإحصاء – تتوزع بين العمليات العسكرية المباشرة التي تسببت في انبعاث نحو 1.9 مليون طن وبين الكلفة الكربونية ما قبل العدوان وما بعده، والمرتبطة بإزالة الركام وإعادة إعمار المنشآت والمنازل المدمرة. فضلا عن أن تدمير شبكات المياه في قطاع غزة أدى إلى ارتفاع حاد في أسعار المياه، وبخاصة تلك التي يتم توزيعها بواسطة الصهاريج حيث ارتفع سعر كوب المياه إلى نحو 211 شيكلاً عام 2025 مقارنة بـ 30 شيكلاً عام 2023، ما يعكس تفاقم الأزمة المائية والعبء الاقتصادي على المواطنين.
كما يشهد قطاع غزة انهياراً شبه كامل في منظومة الصرف الصحي نتيجة تضرر أكثر من 90% من البنية التحتية وتدمير جميع محطات المعالجة، إضافة إلى تدمير واسع للشبكات (نحو 1,545 كم) و47 محطة ضخ، ومع استمرار انقطاع الكهرباء والوقود توقفت الخدمات بالكامل، ما أدى إلى تدفق المياه العادمة في الشوارع وارتفاع المخاطر البيئية والصحية وانتشار الأمراض.
تراكم آلاف الأطنان من النفايات
ويعاني قطاع غزة تدهوراً بيئياً حاداً نتيجة تراكم نحو 710 آلاف طن من النفايات المنزلية وأكثر من 60 مليون طن من الركام الناتج عن تدمير أكثر من 330 ألف وحدة سكنية، في ظل انهيار شبه كامل لمنظومة جمع النفايات وتدمير 90% من معدات البلديات، ما أدى إلى انتشار التلوث والأمراض وتفاقم الأزمة البيئية وتعقيد جهود التعافي.
وأظهر تقرير حديث لمركز الأمم المتحدة للأقمار الصناعية (UNOSAT) حتى نهاية حزيران 2025 أن العدوان الإسرائيلي تسبب في تدمير واسع للقطاع الزراعي في غزة، حيث دُمّر نحو 86% من الأراضي الزراعية نتيجة القصف والتجريف وتحرك الآليات العسكرية. وسُجلت مستويات أعلى من التدمير في بعض المناطق، إذ ارتفعت نسبة التدمير في شمال غزة إلى 94%. ويعكس هذا الانهيار السريع والمتواصل للقطاع الزراعي تهديداً مباشراً وخطيراً للأمن الغذائي لأكثر من مليوني نسمة في القطاع.
وشهد عام 2025 تصاعداً ملحوظاً في الانتهاكات البيئية الإسرائيلية في الضفة الغربية، حيث سُجل 685 انتهاكاً مقارنةً مع 535 انتهاك عام 2024، وسّجِل حتى نهاية أبريل 2026 (310) انتهاكاً. مما يعكس تصاعد التعديات على البيئة الفلسطينية. وتنوعت هذه الانتهاكات بين تجريف الأراضي الزراعية واتلاف الأشجار، وتصريف المياه العادمة وإلقاء النفايات، إضافة إلى أضرار البنية التحتية، ما أدى إلى تدهور متزايد في النظم البيئية وتهديد استدامة الموارد الطبيعية.
فلسطين من أكثر المناطق تأثراً بتداعيات التغير المناخي
رغم التحديات البيئية والمناخية المتفاقمة، تبقى مساهمة فلسطين في الانبعاثات العالمية للغازات الدفيئة محدودة للغاية، إذ تُقدَّر نسبة الانبعاثات الوطنية الفلسطينية بأقل من 0.01% من إجمالي الانبعاثات العالمية، وهي نسبة تكاد لا تُذكر مقارنة بالدول الصناعية الكبرى. ومع ذلك، تُعد فلسطين من أكثر المناطق هشاشة وتأثراً بتداعيات التغير المناخي، ويعكس هذا الواقع حالة من “اللاعدالة المناخية”، حيث تتحمل فلسطين آثار أزمة مناخية عالمية رغم مساهمتها الضئيلة جداً في التسبب بها.
وجرى دعم تسع مؤسسات ضمن هذه المبادرات، في إطار تعزيز العمل البيئي على المستوى المحلي. كما ارتفع عدد الأندية البيئية في مدارس الضفة الغربية إلى 851 نادياً خلال العام الدراسي 2025/2026، مقارنة بـ591 نادياً سابقاً، بزيادة بلغت 260 نادياً بنسبة 44%، ما يعكس تنامي الوعي البيئي لدى الطلبة.
ارتفاع القدرة الكهربائية للخلايا الشمسية في فلسطين إلى 400 ميغاواط بنهاية عام 2025، مقارنة بـ300 ميغاواط في عام 2023، لتشكل نحو 8% من إجمالي الكهرباء، في إطار التوجه نحو تعزيز الطاقة النظيفة وأمن الطاقة. وفي السياق ذاته، تم تمويل مشروع مشترك بين قطاعي المياه والطاقة بقيمة 620 ألف دولار، ويهدف إلى إعداد دراسات الجدوى ورسم خارطة طريق للاستثمار في أنظمة الطاقة الشمسية لمرافق قطاع المياه ذات الأولوية.




