الغارة الإسرائيلية التي استهدفت في مدينة غزة المتحدث باسم «كتائب القسام» أبو عبيدة، بحسب ما نشره موقع «واي نت» الإسرائيلي، تفتح الباب على جملة من السيناريوهات المعقدة في مسار الحرب الدائرة. الإعلان الإسرائيلي لم يحسم مسألة مقتله، إذ ربط المسؤولون الأمر بوجوده في مكان الاستهداف، بينما تحدثت مصادر فلسطينية عن ترجيحات بمقتله في ظل سقوط عشرات الضحايا من المدنيين جراء قصف بناية سكنية في حي الرمال المكتظ.
هذا التضارب في المعلومات يعكس جانباً من الحرب النفسية التي تشكل جزءاً أساسياً من المعركة بين إسرائيل وحماس، حيث تسعى تل أبيب إلى توجيه رسائل عن قدرتها على ضرب رموز الحركة، بينما تعمل حماس على تحويل الحدث إلى دليل على استهداف المدنيين والعجز الإسرائيلي عن تحقيق إصابات دقيقة.
صعوبة الحسم العسكري
توقيت العملية يأتي في لحظة فارقة، مع اقتراب تنفيذ خطة «مركبات جدعون 2» التي تهدف إلى اجتياح كامل لمدينة غزة وإجبار سكانها على النزوح نحو منطقة المواصي غرب خان يونس. هذه الخطة، إذا ما نفذت، ستكون الأوسع منذ اندلاع الحرب في السابع من أكتوبر 2023، وتحمل أبعاداً عسكرية وسياسية وإنسانية خطيرة، إذ تسعى إسرائيل إلى إعادة هندسة المشهد الجغرافي والديمغرافي في القطاع، عبر دفع مئات الآلاف من السكان إلى مناطق ضيقة أقل حساسية أمنياً من وجهة نظرها.
لكن التطورات الميدانية الأخيرة كشفت أن حماس ما زالت قادرة على تنفيذ عمليات معقدة، مثل الكمين الذي نصبته «القسام» وأدى إلى مقتل وإصابة جنود إسرائيليين وفقدان أربعة منهم، قبل أن تعلن إسرائيل لاحقاً العثور عليهم سالمين. مثل هذه العمليات تبرز صعوبة الحسم العسكري، وتؤكد أن اجتياح غزة لن يكون عملية سهلة أو قصيرة، بل قد يترافق مع خسائر إسرائيلية متزايدة من شأنها التأثير على الجبهة الداخلية وعلى الحكومة الإسرائيلية نفسها.
عزل إسرائيل دبلوماسياً
في موازاة التصعيد في غزة، تتجه الحكومة الإسرائيلية إلى إجراءات أخرى على الضفة الغربية، أبرزها الدفع نحو فرض السيادة على أجزاء منها، في سياق الرد على الاعترافات الدولية المرتقبة بالدولة الفلسطينية الشهر المقبل. هذه الخطوات تشكل مساراً موازياً للحرب في غزة، إذ تهدف إسرائيل إلى استثمار الانشغال الدولي بالمعركة العسكرية لتثبيت وقائع جديدة على الأرض في الضفة، خاصة عبر مشاريع الضم ومخطط «إي 1» وإخلاء الخان الأحمر. بذلك، يصبح المشروع الإسرائيلي أوسع من مجرد مواجهة عسكرية مع حماس، ليمتد إلى محاولة إغلاق الباب نهائياً أمام الدولة الفلسطينية، سواء في غزة أو في الضفة.
الربط بين مسرح العمليات في غزة والسياسة الإسرائيلية في الضفة يكشف عن استراتيجية أشمل تسعى من خلالها حكومة نتنياهو إلى استغلال الحرب لتغيير قواعد اللعبة. غير أن هذه الاستراتيجية تصطدم بجملة من التحديات، منها القدرة الفعلية على السيطرة على غزة وسط مقاومة شرسة، ومنها أيضاً ردود الفعل الدولية، حيث تتجه دول أوروبية وغربية إلى الاعتراف بفلسطين، ما يعكس اتجاهاً متزايداً لعزل إسرائيل دبلوماسياً. في الوقت نفسه، القرارات الأميركية الأخيرة التي منعت دخول وفد فلسطين إلى الأمم المتحدة أظهرت التناقض بين الموقف الأوروبي والدعم الأميركي غير المحدود لإسرائيل، ما يفتح الباب أمام أزمة دبلوماسية جديدة داخل الغرب نفسه.
تحوّل استراتيجي
استهداف أبو عبيدة، سواء انتهى بمقتله أو لا، لا يغير من حقيقة أن المعركة في غزة تدخل طوراً أكثر خطورة مع اقتراب عملية «جدعون 2». وإذا ما رافق ذلك تسريع خطوات الضم في الضفة، فإن المشهد الفلسطيني مقبل على مرحلة قد تحمل سمات تحوّل استراتيجي طويل المدى، حيث تسعى إسرائيل لتفكيك البنية السياسية والجغرافية للشعب الفلسطيني، فيما يراهن الفلسطينيون على صمود ميداني وضغط دبلوماسي دولي يعيد الاعتبار لمشروع الدولة.






