يعيش النازح أحمد حسين، الذي أُقعده الشلل منذ ثلاثة عقود، فصلاً جديداً من فصول المعاناة. نزح أحمد مع أسرته المكونة من أحد عشر فرداً من جباليا، شمال القطاع، ليجدوا مأوى مؤقتاً في مبنى لا يصلح للسكن في غزة. لكن مأساته لم تتوقف عند هذا الحد، فبينما يصارع ظروف النزوح الصعبة، يجد نفسه مسؤولاً عن رعاية أبنائه الذين أصابتهم شظايا الحرب.
في هذا المبنى المهجور، يتحول أحمد من معيل إلى مُعالج. يرى في كل يوم آثار القصف على أجساد فلذات كبده؛ ابنه الصغير الذي فقد ساقه وذراعه، وابنه الثاني الذي يعاني من شلل نصفي، بينما يُصارع ابنه البكر من أجل الحياة بعد إصابته بجروح خطيرة في رئتيه. يجد الأب المشلول نفسه مجبراً على تجاوز عجزه الجسدي ليقدم الرعاية والعناية لأبنائه المصابين، في مشهد يجسد قوة الأمل والصمود وسط اليأس.
صرخة إنسانية
على الرغم من الألم الذي يعتصر قلبه، لا يزال أحمد يرى في أبنائه المصابين شعلة أمل. يقدم لهم الدعم النفسي والمعنوي، ويحاول جاهداً توفير ما يلزم من علاج وطعام، مستعيناً بقوة إيمانه وإصراره على الحياة. قصته هي صرخة إنسانية تُظهر كيف يمكن للإرادة أن تتغلب على المحن، وكيف يمكن للأب أن يكون سنداً وعوناً لأبنائه، حتى لو كان على كرسي متحرك. إنه رمز للصمود الفلسطيني في وجه آلة الحرب والدمار.
ويواجه القطاع الصحي في غزة أزمة غير مسبوقة، حيث تتزايد أعداد المرضى والمصابين بينما تنهار المؤسسات الطبية بشكل شبه كامل. تُشير التقارير إلى أن مأساة المرضى لا تقتصر على ضحايا القصف والإصابات المباشرة، بل تشمل أيضاً الآلاف من أصحاب الأمراض المزمنة الذين حُرموا من أبسط حقوقهم في العلاج والرعاية. هذا الواقع المأساوي يضع الأطباء والطواقم الطبية أمام خيارات مستحيلة، ويُحوّل المستشفيات إلى بؤر للكارثة الإنسانية.
انقطاع خطوط الإمداد
إن النقص الحاد في الإمدادات الطبية والأدوية يُعدّ من أبرز مظاهر هذه الأزمة. فمع انقطاع خطوط الإمداد بشكل شبه كامل، أصبحت العمليات الجراحية تُجرى في ظروف بدائية للغاية، وأصبحت الأدوية الحيوية، مثل أدوية السرطان وغسيل الكلى، نادرة أو غير متوفرة تماماً.
يُضاف إلى ذلك النقص في الوقود اللازم لتشغيل مولدات الكهرباء، مما يُهدد بإغلاق ما تبقى من المستشفيات، ويُعرّض حياة المرضى في غرف العناية المركزة للخطر. هذا الانهيار اللوجستي يؤثر بشكل مباشر على قدرة الأطباء على إنقاذ الأرواح، ويُجبرهم على اتخاذ قرارات صعبة بشأن من يستحق العلاج ومن لا يستطيع الحصول عليه.






