صور الأقمار الصناعية الأخيرة لمدينة غزة، الملتقطة في سبتمبر/أيلول، تقدم شهادة بصرية لا يمكن دحضها على حجم الكارثة التي يعيشها القطاع. فالأحياء التي كانت نابضة بالحياة والأسواق والجامعات والمستشفيات تحولت إلى مساحات من الخراب، حيث الأبراج التي كانت ترسم أفق المدينة اختفت، والمباني السكنية سُويت بالأرض، لتصبح غزة أقرب إلى مدينة أشباح منها إلى مركز حضري مكتظ.
فخاخ موت
الأرقام الواردة من الدفاع المدني الفلسطيني تكشف عن دمار هائل: 50 مبنى متعدد الطوابق جرى تدميره خلال أسابيع قليلة، وأكثر من 1500 منزل ومبنى سُوّيت بالأرض في أحياء مثل الزيتون وصبرا منذ مطلع أغسطس/آب. المشهد لا يتعلق فقط بالهندسة العمرانية، بل بحياة مئات آلاف الناس الذين وجدوا أنفسهم بين نزوح قسري ورحلة بحث يائسة عن مأوى آمن لا وجود له.
الطرق المؤدية إلى الجنوب، التي يُفترض أن تمثل ممرات نجاة، تحولت بدورها إلى فخاخ موت. طريق صلاح الدين مقفل بنيران القناصة، وطريق الرشيد الساحلي مكتظ بالخيام تحت تهديد الاستهداف. حتى منطقة المواصي، التي أعلنتها إسرائيل “منطقة إنسانية”، لم تسلم من القصف. هذا يعني أن سياسة التهجير ليست فقط خياراً مطروحاً، بل تكاد تكون عملية مدروسة لدفع السكان إلى النزوح المتكرر بلا ضمانات للسلامة.
تدمير الحقول الزراعية
تفصيل الدمار في الأحياء يعطي صورة أوضح للكارثة. حي الشيخ رضوان، المكتظ بأزقته وأسواقه، شهد توغلات للدبابات وحرق خيام النازحين. حي الرمال، القلب النابض لغزة وموطن مستشفى الشفاء والجامعات الكبرى، تعرض لضربات استهدفت أبراجاً بارزة وبنية تحتية أساسية. حي التفاح، المعروف بحيويته الاجتماعية، تحول إلى أطلال كاملة. أما صبرا والزيتون والشجاعية، فقد شهدت تدميراً واسعاً جعلها أقرب إلى مساحات مسطحة من الركام.
المناطق الشمالية مثل بيت لاهيا وبيت حانون تحمل معاناة مزدوجة: تدمير الحقول الزراعية التي شكلت مصدر رزق أساسي للسكان، وإغلاق معبر “إيريز” الذي فاقم الأزمة الإنسانية ومنع وصول الإمدادات. مخيم جباليا، رمز النكبة المستمرة منذ 1948، لم يسلم هو الآخر، فتحول إلى مسرح قصف متكرر، فيما المدارس التي تديرها الأمم المتحدة لم تعد مدارس، بل ملاجئ مكتظة بالنازحين، قبل أن تطالها هي أيضاً ضربات القصف.
إعادة تشكيل الجغرافيا
هذا التدمير الممنهج يتجاوز البعد العسكري التقليدي، ليصبح جزءاً من استراتيجية لإعادة تشكيل الجغرافيا والديموغرافيا في غزة. فالمشهد الظاهر عبر صور “قبل وبعد” لا يقتصر على تدمير البنى المادية، بل يكشف عن محوٍ متعمد لذاكرة المدينة وهويتها. الأسواق التي كانت تعج بالحياة، الجامعات التي مثلت فضاءات للعلم، والمستشفيات التي كانت شريان الحياة للمرضى، كلها تعرضت للانهيار، لتؤكد أن الحرب تستهدف مقومات البقاء المدني بقدر ما تستهدف البنية العسكرية.
المحصلة النهائية أن غزة تعيش اليوم لحظة وجودية: مدينة بلا ملامح، بلا أفق، ومجتمع يُدفع دفعاً نحو التهجير القسري المتكرر. صور الأقمار الصناعية ليست مجرد توثيق بصري للدمار، بل وثيقة إدانة صريحة تسائل العالم: إذا كانت غزة بهذا الشكل اليوم، فما الذي سيبقى منها غداً؟







