جاء لقاء الرئيس التركي رجب طيب أردوغان مع نظيره الأميركي دونالد ترامب في البيت الأبيض بعد ست سنوات من القطيعة الرسمية بمثابة محاولة لإعادة ترتيب الملفات العالقة بين البلدين. فالمحادثات التي وصفها الطرفان بأنها حققت “تقدماً ملموساً” لم تكن مجرد استعراض بروتوكولي، بل حملت أبعاداً سياسية واقتصادية وأمنية عميقة، من شأنها أن تؤثر في توازنات المنطقة.
في الجانب الاقتصادي، تحدث أردوغان عن إعادة النظر في الرسوم الجمركية كخطوة أساسية لرفع حجم التجارة البينية إلى 100 مليار دولار، وهو هدف طموح يعكس رغبة مشتركة في تحويل الخلافات السياسية إلى فرص اقتصادية. أما ترامب، فقد لمح إلى إمكانية إلغاء العقوبات المفروضة على أنقرة إذا التزمت بوقف شراء النفط الروسي، وربط ذلك بصفقة الطائرات المقاتلة إف-35، ما يجعل الاقتصاد والدفاع وجهين لعملة واحدة في معادلة العلاقات الأميركية – التركية.
جاءت الكلمات المشتركة للرئيسين قبل القمة وبعدها لتكشف ملامح الأجندة التركية بوضوح، إذ ركّزت أنقرة على مطلبين أساسيين: الحصول على طائرات “أف-16″ و”أف-35” الحديثة، ورفع العقوبات العسكرية المفروضة على صناعاتها الدفاعية. هذه المطالب ليست تقنية بقدر ما هي رسالة سياسية، فتركيا تريد استعادة موقعها في منظومة التسلح الغربية بعد سنوات من التوتر.
من جهته، لم يغلق ترامب الباب أمام هذه الطلبات، لكنه ربطها بشرط حساس: وقف تركيا استيراد النفط والغاز من روسيا. وهو مطلب يصعب تلبيته في نظر أردوغان الذي يسعى إلى تموضع “محايد” في الصراع الروسي – الغربي، محافظاً على علاقات متوازنة مع موسكو من دون خسارة عضويته في الناتو أو شراكته مع واشنطن. هذا التباين يوضح أن أي تقارب أميركي – تركي يظل مرهوناً بموازنة دقيقة بين المصالح الطاقية والسياسية، وهو ما يجعل المحادثات مفتوحة على مفاوضات طويلة المدى.
لكن الرسائل التي خرجت من الاجتماع لم تكن اقتصادية فقط. أردوغان أكد أنه يدعم ما سماه “رؤية ترامب للسلام العالمي”، مشيراً إلى تفاهم بينهما حول آليات لوقف إطلاق النار وتحقيق سلام دائم في غزة. هذا الموقف يتماشى مع خطاب أردوغان الذي يقدّم نفسه باعتباره أبرز المنتقدين للحملة العسكرية الإسرائيلية، ويعيد طرح صيغة حل الدولتين كشرط أساسي لأي تسوية في الشرق الأوسط. هنا يظهر البعد الاستراتيجي: تركيا تسعى لتعزيز مكانتها كوسيط إقليمي قادر على التحدث مع واشنطن من جهة، والوقوف في صف القضية الفلسطينية من جهة أخرى.
الملف السوري حضر أيضاً بزاوية مختلفة، حيث أشار أردوغان إلى أهمية مشاركة الرئيس السوري للمرحلة الانتقالية أحمد الشرع في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، معتبراً ذلك تعزيزاً لشرعية الحكومة السورية الجديدة. هذه الإشارة تعكس قراءة تركية للتطورات في دمشق، وتوحي بأن أنقرة مستعدة للانخراط في إعادة تعريف النظام الإقليمي إذا ضمنت أن مصالحها الأمنية والسياسية ستكون جزءاً من أي تسوية.
التحليل الأعمق يقود إلى أن اللقاء لم يحل كل الملفات الخلافية بين واشنطن وأنقرة، لكنه أعاد فتح قنوات التفاهم في لحظة دقيقة. ترامب استخدم لغة مشروطة: رفع العقوبات مقابل تقليص نفوذ روسيا في السوق التركية. وأردوغان بدوره قدّم نفسه كشريك يمكنه أن يلعب أدواراً متقاطعة في التجارة، والطاقة، والملف الفلسطيني، وحتى الشرعية السورية. ومن هنا، فإن قيمة الاجتماع لا تقاس فقط بالاتفاقات التي وُقّعت أو التصريحات التي أُطلقت، بل بما عكسه من إدراك متبادل بأن الحاجة إلى الشراكة بين تركيا وأميركا باتت أكبر من خلافاتهما، في عالم تتشابك فيه خطوط الطاقة والجغرافيا والسياسة.






