قدّمت مالي شكوى ضد الجزائر أمام محكمة العدل الدولية، متهمة إياها بـ”العدوان على سيادتها” بعد حادثة إسقاط الجيش الجزائري لطائرة مسيّرة على الحدود ليلة 31 مارس/آذار – 1 أبريل/نيسان 2025. باماكو قالت إن الطائرة كانت في “مهمة استطلاع عادية” داخل أراضيها، معتبرة أن إسقاطها يشكّل “عملاً عدائياً”.
في المقابل، أكدت وزارة الدفاع الجزائرية أن الطائرة من طراز “أكينجي” تركية الصنع اخترقت الأجواء الجزائرية بعمق كيلومترين فوق تين زاوتين، في مسار هجومي تكرر أكثر من مرة خلال الأشهر الماضية، الأمر الذي دفع الجيش إلى إسقاطها حفاظًا على السيادة الوطنية. وأكدت الجزائر أن لديها صور الرادار والمعطيات التقنية التي تثبت الانتهاك بشكل قاطع.
الجزائر ترد: حماية السيادة لا مساومة عليها
ردت الجزائر بشدة على الخطوة المالية، ووصفتها بأنها محاولة بائسة لصرف الأنظار عن فشل المجلس العسكري الحاكم في باماكو. وأوضحت الخارجية الجزائرية أن الانقلابيين جعلوا من الجزائر “كبش فداء” للتغطية على الانهيار الأمني والسياسي والاقتصادي الداخلي، مشددة على أن الجزائر لم تكن يومًا خصمًا للشعب المالي، بل راعية لاتفاق السلم والمصالحة الموقّع في 2015، الذي ألغته مالي من طرف واحد بداية هذا العام.
الجزائر تؤكد أنّ قرار إسقاط الطائرة لا يخرج عن إطار حقها المشروع في الدفاع عن سيادتها، وأن سجلها الطويل في مكافحة الإرهاب إقليميًا ودوليًا يجعل اتهامات باماكو لا تستحق حتى التعليق عليها.
ورقة ضغط مدفوعة من الخارج
يرى متابعون أنّ لجوء مالي إلى تدويل الأزمة أمام محكمة العدل الدولية لا يعكس قوة موقفها، بل يكشف عن محاولة للاستقواء بأجندات خارجية تستثمر في إضعاف الدور الجزائري في الساحل. توقيت الخطوة لم يكن بريئًا، إذ جاء متزامنًا مع تنظيم الجزائر لمعرض التجارة البينية الإفريقية بمشاركة قادة أفارقة، وهو حدث اقتصادي ضخم يراد منه تفعيل اتفاقية التجارة الحرة الإفريقية، ما يعزز مكانة الجزائر كفاعل اقتصادي محوري في القارة.
وبحسب هؤلاء، فإن الهدف من إثارة هذا الملف هو التشويش على الدور الإقليمي المتنامي للجزائر، ومحاولة فرض صورة مغايرة تُظهر مالي كطرف قادر على مواجهة الجزائر في الساحة الدولية، رغم أن الوقائع تثبت العكس.
مالي: لاعب ضعيف في معادلة الساحل
على الأرض، تعاني مالي من هشاشة داخلية كبيرة: صراع مفتوح مع الطوارق في إقليم الأزواد، اقتصاد منهك، وجيش يعتمد بشكل متزايد على الدعم الخارجي. وعلى الرغم من تحالفها مع النيجر وبوركينا فاسو، إلا أنّ هذه الكتلة الانقلابية الثلاثية لم تنجح حتى الآن في فرض نفسها كقوة إقليمية مؤثرة، مقارنة بالجزائر التي تملك الشرعية التاريخية والدبلوماسية، فضلاً عن القدرات العسكرية والاقتصادية التي تجعلها الطرف الأكثر ثباتًا في معادلة الساحل.
وبينما ترفع باماكو خطابًا عدائيًا، تواصل الجزائر الدعوة إلى الحوار والتسوية السياسية، انطلاقًا من قناعتها بأن الحلول العسكرية لا تكفي لمعالجة جذور الأزمة. الرئيس عبد المجيد تبون وصف العلاقات مع مالي والنيجر سابقًا بأنها “أخوية”، وأكد أن هناك أطرافًا ثالثة تسعى إلى زرع القطيعة بين الجزائر وعمقها الإفريقي.
قراءة في الأبعاد الاستراتيجية
تدويل الملف قد يوفّر لباماكو لحظة دعائية، لكنه في المقابل يضعها في موقع الضعيف سياسيًا وقانونيًا، إذ تملك الجزائر الحجج التقنية والشرعية للدفاع عن نفسها. كما أن محاولة تحويل الجزائر إلى “عدو خارجي” لن تُغيّر من حقيقة أنّ التحدي الأكبر أمام مالي يبقى داخليًا، حيث الانقسامات والصعوبات الاقتصادية والأمنية.
في المقابل، تواصل الجزائر تأكيد مكانتها كدولة محورية في الساحل وشمال إفريقيا، لا تتأثر بمحاولات الضغط، وتدير ملفاتها الدبلوماسية والأمنية من موقع القوة، بعيدًا عن الحسابات الضيقة التي تحكم سياسات المجلس العسكري المالي.







