يشكّل الافتتاح الرسمي للمتحف المصري الكبير في نوفمبر حدثاً ثقافياً وسياحياً غير مسبوق في التاريخ الحديث لمصر، إذ يرمز هذا المشروع الضخم إلى مرحلة جديدة في استراتيجية الدولة الهادفة إلى تحويل الثقافة والتراث إلى ركيزة من ركائز الاقتصاد الوطني. فالمتحف، الذي استغرق تشييده نحو عقدين من الزمن بتكلفة تجاوزت 1.2 مليار دولار، لا يمثل مجرد صرح أثري أو مخزن للقطع الفرعونية، بل مشروعاً استراتيجياً متكاملاً يستهدف تعزيز مكانة مصر كإحدى أهم الوجهات السياحية والثقافية في العالم.
ومع استقبال المتحف أكثر من 12 ألف زائر في منتصف يومه السابع بعد الافتتاح، ومتوسط زيارات يومي يقترب من 19 ألف زائر، تبرز تساؤلات مشروعة حول مدى قدرة المتحف على منافسة متحف اللوفر في باريس، الذي يُعد الأكثر زيارة في العالم، وحول تأثير عوامل أخرى—مثل نقص الطاقة الفندقية في القاهرة ومحيط الأهرامات—في تحديد حجم العائد الحقيقي من هذا المشروع العملاق.
القدرة على المنافسة
على الصعيد الأول، أي القدرة على المنافسة، تبدو المؤشرات الأولية مشجعة للغاية. فالإقبال الكبير خلال الأسبوع الأول من الافتتاح ليس مجرد اندفاع فضولي، بل يعكس مزيجاً من الحماس المحلي والتفاعل الدولي. زيارة ما يقارب 19 ألف شخص يومياً لمتحف حديث الافتتاح تعني أن المعدل السنوي المتوقع قد يتجاوز 7 ملايين زائر بسهولة، وهو رقم يقارب الهدف المعلن رسمياً (8 ملايين زائر سنوياً). وإذا تحققت هذه الأرقام، فسيصبح المتحف المصري الكبير منافساً مباشراً لأكبر المتاحف العالمية، ليس فقط في عدد الزوار ولكن أيضاً في العائد المالي، إذ تشير التقديرات إلى إمكانية تحقيق نحو 150 مليون دولار سنوياً من مبيعات التذاكر وحدها، فضلاً عن الإيرادات المرافقة من المطاعم والمقاهي ومنافذ بيع الهدايا والأنشطة الثقافية.
لكن المنافسة بين المتحف المصري الكبير واللوفر لا تُقاس بالأرقام فقط، بل بنوعية التجربة التي يقدمها كل منهما. فاللوفر، رغم مكانته التاريخية وثراء مجموعاته التي تشمل الحضارات المختلفة، يعتمد في جاذبيته على رمزية باريس كمركز ثقافي عالمي وعلى قوة السياحة الأوروبية المتطورة. أما المتحف المصري الكبير، فمكمن قوته في عنصر التفرد: فهو المتحف الوحيد الذي يضم في مكان واحد أكثر من مائة ألف قطعة من حضارة واحدة هي الأقدم والأكثر إبهاراً في التاريخ الإنساني. كما أن عرضه الكامل لمجموعة توت عنخ آمون لأول مرة في تاريخها يمثل نقطة جذب فريدة لا يضاهيها أي متحف آخر. هذا التفرد يمنح مصر ميزة تنافسية نوعية قادرة على اجتذاب السائحين من فئات ثقافية وبحثية، وليس فقط من جمهور الرحلات السياحية التقليدية.
إضافة إلى ذلك، يجمع المتحف بين الحداثة والتاريخ في تجربة بصرية ومعمارية متكاملة. فتصميمه الضخم عند سفح الأهرامات يربط الماضي بالحاضر بطريقة لا يمكن تكرارها في أي موقع آخر في العالم. الزائر الذي يخرج من المتحف يمكنه أن يرى الأهرامات مباشرة، ما يجعل التجربة ذات طابع مكاني وزمني نادر. هذه الخاصية المكانية تضيف إلى جاذبية المتحف بعداً رمزياً يجعل منه وجهة سياحية قائمة بذاتها وليس مجرد محطة ضمن برنامج زيارة القاهرة.
هل تمتلك مصر فنادق تستوعب حركة السياحة؟
من الناحية الاقتصادية، يندرج المتحف ضمن استراتيجية شاملة لرفع إيرادات السياحة إلى أكثر من 18 مليار دولار سنوياً خلال العام الجاري، مع طموحات رسمية للوصول إلى 30 مليون سائح بحلول عام 2030. وجود مؤسسة ثقافية بهذا الحجم يمكن أن يلعب دوراً محورياً في تحقيق هذا الهدف من خلال جذب شرائح جديدة من الزوار، خصوصاً المهتمين بالسياحة الثقافية والتراثية، التي تُعتبر ذات إنفاق مرتفع مقارنة بالسياحة الشاطئية أو الترفيهية. كما أن المتحف يعزز صورة مصر دولياً بوصفها دولة آمنة ومستقرة قادرة على تنفيذ مشروعات عملاقة ذات طابع حضاري، ما ينعكس إيجاباً على الثقة الاستثمارية والقطاع الفندقي والنقل الجوي.
مع ذلك، تبقى بعض التحديات قائمة، وأبرزها محدودية الطاقة الفندقية في المناطق المحيطة بالمتحف والأهرامات، وهو ما أشار إليه بعض الخبراء والمستثمرين في قطاع السياحة. فمع ارتفاع عدد الزوار إلى عشرات الآلاف يومياً، تزداد الحاجة إلى غرف فندقية جديدة من مختلف الفئات السعرية، خصوصاً القريبة من منطقة الجيزة، لتلبية الطلب المتنامي. حالياً، تتجه معظم الوفود السياحية إلى الإقامة في فنادق وسط القاهرة أو في مناطق بعيدة نسبياً، ما يضيف أعباء لوجستية ويقلل من معدل إنفاق الزائر في محيط المتحف. هذا النقص في الطاقة الاستيعابية قد يتحول إلى عنق زجاجة يحد من قدرة القطاع على الاستفادة القصوى من الزخم الحالي، خاصة خلال موسم الشتاء الذي يُعد ذروة الإقبال الأوروبي على مصر.
نقص الغرف لا يؤثر فقط على تجربة الزائر، بل أيضاً على طول مدة إقامته ومتوسط إنفاقه اليومي. فالسائح الذي يضطر للإقامة بعيداً عن موقع الجذب قد يختصر زيارته أو يكتفي بزيارة ليوم واحد، بينما تشير الدراسات السياحية إلى أن توفّر الإقامة المريحة والقريبة يرفع معدل الإنفاق بنسبة تصل إلى 40%. لذلك، فإن استمرار الزخم الذي أحدثه افتتاح المتحف يتطلب تسريع الاستثمار في البنية الفندقية، سواء عبر تشجيع القطاع الخاص على إنشاء فنادق جديدة في الجيزة، أو عبر شراكات دولية لتطوير المنتجعات القائمة وتحسين مستويات الخدمة.
حقوق المعارض والعلامة التجارية
من جهة أخرى، تشكل الزيادة الهائلة في عدد الزوار تحدياً تنظيمياً. الحفاظ على تجربة متميزة لكل زائر يتطلب إدارة ذكية للتدفق البشري داخل المتحف، وتوزيع الزيارات على فترات زمنية محددة لتفادي الازدحام والإضرار بجودة العرض أو القطع الأثرية. التصريحات الرسمية تشير إلى انسيابية حركة الزوار حتى الآن، لكن استمرار المعدلات المرتفعة على المدى الطويل يستدعي توسيع المرافق والخدمات وتحسين البنية التحتية للنقل حول المنطقة، بما في ذلك تطوير شبكة الطرق والمواصلات العامة وربط المتحف بخطوط المترو مستقبلاً.
من زاوية المقارنة مع اللوفر، يجب إدراك أن الأخير ليس مجرد متحف بل مؤسسة متكاملة لها تاريخ طويل في التسويق الثقافي والعلاقات الدولية والمعارض المتنقلة. فجزء كبير من نجاحه المالي يأتي من بيع حقوق المعارض والعلامة التجارية حول العالم. المتحف المصري الكبير يمكنه الاستفادة من هذا النموذج عبر تبني سياسات انفتاح ثقافي، مثل تنظيم معارض خارجية للقطع المكررة أو المؤرشفة، وإبرام اتفاقات تعاون مع متاحف عالمية لتعزيز التبادل المعرفي وجذب جمهور أوسع. كما أن الاستثمار في التسويق الرقمي والترويج عبر المنصات العالمية سيكون ضرورياً لتحويل الإقبال الحالي إلى طلب مستدام.
في المقابل، يمتلك المتحف المصري الكبير نقاط تفوق يصعب على اللوفر منافستها، أهمها الأصالة الجغرافية والتاريخية. فالموقع نفسه جزء من الحكاية، والقطع المعروضة عائدة إلى أرضها الأصلية، ما يضفي على التجربة مصداقية ومغزى لا يتوفر في المتاحف الغربية. هذا العامل العاطفي والرمزي يمكن أن يشكّل حجر الزاوية في بناء هوية المتحف كمقصد عالمي متميز.
منافسة متحف اللوفر
على الرغم من هذه المؤشرات الإيجابية، فإن استدامة النجاح تتطلب معالجة النقص في البنية الفندقية والخدمية بجدية. فالعائد من السياحة لا يُقاس فقط بعدد التذاكر المباعة، بل بمدى قدرة الدولة على خلق منظومة اقتصادية متكاملة حول الموقع الثقافي—تشمل الإقامة، النقل، الطعام، الترفيه، والتسوق. إذا بقيت طاقة الإيواء محدودة، فإن أرباح المتحف قد تتضاءل مقارنة بالفرص الضائعة في القطاعات المساندة. كذلك، ارتفاع الأسعار الناتج عن نقص المعروض الفندقي قد يحد من جاذبية مصر للسائح متوسط الدخل، ما يستدعي تنويع الفئات الفندقية لتشمل الخيارات الاقتصادية والمتوسطة إلى جانب الفنادق الفاخرة.
في المحصلة، يمكن القول إن المتحف المصري الكبير وضع مصر على خريطة السياحة الثقافية العالمية بقوة، وفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الاستثمار في التراث كمورد اقتصادي. قدرته على منافسة اللوفر ليست حلماً بعيد المنال، بل احتمال واقعي إذا استطاعت الدولة تحويل النجاح الرمزي في الافتتاح إلى منظومة دائمة من الخدمات المتكاملة والتخطيط طويل الأمد. بيد أن استمرار هذا النجاح يمرّ عبر معالجة العراقيل اللوجستية وعلى رأسها نقص الغرف الفندقية، وتوسيع نطاق الاستفادة الاقتصادية لتشمل المجتمعات المحلية. فالمتحف لا يجب أن يكون جزيرة منفصلة عن محيطها، بل مركز إشعاع حضاري ينعكس أثره على السياحة والاقتصاد الوطني بأكمله.






