تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الأخيرة لقناة “i24” تفتح نافذة جديدة على طبيعة المشروع السياسي والأيديولوجي الذي يحمله، إذ لم تقتصر على الخطاب الأمني أو العسكري المعتاد، بل حملت بُعدًا عقائديًا واضحًا، حين وصف نفسه بأنه في “مهمة تاريخية وروحانية” ومرتبط عاطفيًا برؤية “إسرائيل الكبرى”. هذه العبارات لا يمكن قراءتها كتعابير شخصية مجردة، بل هي إفصاح عن تصور استراتيجي يمتد جذوره في الفكر الصهيوني التوسعي، الذي يرى في حدود إسرائيل المستقبلية مجالًا يتجاوز فلسطين التاريخية ليشمل مساحات واسعة من الأراضي العربية، من النيل إلى الفرات، وفق ما يروج له معهد “التوراة والأرض” وأوساط دينية قومية في إسرائيل.
التوسع الاستيطاني
هذا الطرح يكتسب خطورته من تزامنه مع سياسات إسرائيلية قائمة على الأرض، أبرزها التوسع الاستيطاني والضم التدريجي لأراضي الضفة الغربية، إضافة إلى الخطط العسكرية الرامية إلى إحكام السيطرة على قطاع غزة، ما يجعل التصريحات أشبه بإعلان نوايا سياسية مدعومة بأدوات ميدانية. كما أن تلميح نتنياهو إلى ما أسماه “الهجرة الطوعية” لسكان غزة يندرج ضمن مقاربة ترحيلية تتعارض مع القانون الدولي، ويعيد للأذهان سيناريوهات التهجير القسري التي شهدتها المنطقة في محطات تاريخية عدة.
ردود الفعل على هذه التصريحات، خاصة في العالم العربي، جاءت غاضبة ومشحونة بمخاوف جدية من أن هذه الرؤية ليست مجرد خطاب دعائي، بل خطوة في مسار طويل لتغيير الجغرافيا والديموغرافيا في المنطقة. المدونون والناشطون رأوا فيها تهديدًا مباشرًا للأمن القومي العربي، وصفعة للتيارات السياسية التي تراهن على التسويات أو تدعو إلى نزع سلاح المقاومة الفلسطينية. كما حذر آخرون من أن التخلي عن المقاومة قد يفتح الباب أمام تمدد المشروع الإسرائيلي ليطال دولًا أخرى، ما يجعل الصراع مع إسرائيل قضية وجودية لا تقتصر على الفلسطينيين وحدهم.
مشروع التهجير
إدراج نتنياهو في حديثه مقارنات مع أوضاع لاجئي سوريا وأوكرانيا وأفغانستان يعكس محاولة لإضفاء مشروعية على مشروع التهجير من خلال قياسه على أزمات إنسانية أخرى، لكن هذا الطرح يتجاهل أن هذه الحالات كانت نتيجة نزاعات خارجية معقدة، وليست سياسة منظمة لاقتلاع شعب من أرضه. في المحصلة، تكشف تصريحات نتنياهو عن مزيج من العقيدة الدينية، والطموح السياسي، والبراغماتية العسكرية، وهو مزيج يفرض على الأطراف العربية والفلسطينية إعادة تقييم مواقفها وخياراتها في ظل وضوح الرؤية الإسرائيلية المعلنة.







