فجّرت تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب حول دور حلفاء حلف شمال الأطلسي في الحرب على أفغانستان موجة استياء واسعة في العواصم الأوروبية، واعتُبرت مساسًا مباشرًا بتضحيات جنود شاركوا في صراع استمر عقدين تحت راية التحالف الدولي.
ففي يوم السبت 24 يناير، وصف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون تصريحات ترامب، التي قال فيها إن حلفاء الناتو “بقوا بعيدين إلى حد ما عن خطوط المواجهة” في أفغانستان، بأنها “غير مقبولة”. ونقل مصدر مقرّب من الإليزيه أن الرئاسة الفرنسية لن تدخل في سجال مباشر، معتبرًا أن هذه التصريحات لا تستحق تعليقًا سياسيًا بقدر ما تستدعي التذكير بتضحيات الجنود. وأضاف المصدر أن ماكرون يتقدم بتعازيه لعائلات الجنود الفرنسيين الذين سقطوا في أفغانستان، ويؤكد مجددًا امتنان الأمة وتقديرها العميق لتضحياتهم.
لم يقتصر الغضب على باريس، إذ سارعت دول أوروبية عدة إلى التعبير عن رفضها لما اعتبرته تشكيكًا غير مبرر في التزامها العسكري. في لندن، عبّر رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر عن “استياء شديد” من تصريحات وصفها بأنها “مهينة” و”مروعة بصراحة”، مشددًا على أن المؤسسة السياسية البريطانية تقف صفًا واحدًا دفاعًا عن جنودها. ورغم أن ترامب عاد لاحقًا ليشيد بدور القوات البريطانية، مؤكدًا في منشور على منصته “تروث سوشيال” أن الجنود البريطانيين “كانوا من بين أعظم المحاربين” وأن رابطتهم بالولايات المتحدة “أقوى من أن تُكسر”، فإن تجاهله ذكر بقية الدول المشاركة زاد من حدة الانتقادات.
وكان ترامب قد صعّد من لهجته خلال مقابلة مع قناة “فوكس نيوز”، حين قال إن الولايات المتحدة “لم تكن بحاجة إليهم قط”، متهمًا بقية أعضاء الحلف بالبقاء “متخلفين قليلًا عن الخطوط الأمامية”، وهي عبارات اعتُبرت طعنًا مباشرًا في جوهر التضامن الأطلسي.
في كوبنهاغن، جاء الرد أكثر حدة. فقد وصفت رئيسة الحكومة الدنماركية التشكيك في التزام جنود التحالف بأنه “أمر لا يُطاق”، مشيرة إلى الألم العميق الذي يشعر به المحاربون القدامى. وذكّرت بأن الدنمارك دفعت ثمنًا بشريًا باهظًا في أفغانستان، حيث قُتل 44 جنديًا، 37 منهم في المعارك، معتبرة أن بلادها من بين أكثر دول الناتو خسارة نسبةً إلى عدد سكانها. وأضافت أن من غير المعقول أن يشكك رئيس أميركي في التزام جنود قاتلوا جنبًا إلى جنب مع القوات الأميركية.
أما في روما، فقد عبّرت رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني، المعروفة بقربها السياسي من ترامب، عن “استغرابها” من هذه التصريحات، مطالبة الرئيس الأميركي بـ”الاحترام”. وأكدت أن الصداقة المتينة بين إيطاليا والولايات المتحدة تزداد أهمية في ظل التحديات الراهنة، لكنها شددت على أن الصداقة لا تستقيم دون احترام متبادل، وهو شرط أساسي لاستمرار التضامن داخل الناتو. وذكّرت بأن الحلف فعّل المادة الخامسة بعد هجمات 11 سبتمبر 2001 للمرة الأولى والوحيدة في تاريخه، في خطوة تضامنية استثنائية مع واشنطن.
وفي لاهاي، ندد وزير الخارجية الهولندي ديفيد فان ويل بالتصريحات الأميركية، واصفًا إياها بأنها “كاذبة وغير محترمة”، ومؤكدًا أن الجنود الهولنديين، كغيرهم من شركائهم الأوروبيين، شاركوا في العمليات القتالية ودفعوا ثمنًا بشريًا وسياسيًا لا يمكن إنكاره.
تعكس هذه المواقف حجم الحساسية التي تثيرها تصريحات ترامب داخل التحالف الأطلسي، خصوصًا عندما تمس ذاكرة حروب مكلفة بشريًا وسياسيًا. كما تعيد إلى الواجهة سؤال الثقة بين الولايات المتحدة وحلفائها، في وقت يشهد فيه العالم تحديات أمنية متزايدة تجعل من تماسك الناتو عنصرًا محوريًا في موازين القوة الدولية.







