بعيدًا عن خطوط القتال في أوكرانيا، يجد جنديان كوريان شماليان نفسيهما في قلب معضلة قانونية ودبلوماسية معقّدة. فالقضية لا تتعلق بأسرى حرب تقليديين بين طرفين متحاربين فحسب، بل بجنود ينتمون إلى دولة ثالثة بعيدة جغرافيًا وسياسيًا عن ساحة النزاع.
ورغم أن قواعد القانون الدولي ترسم إطارًا واضحًا للتعامل مع أسرى الحرب، فإن ترجمة هذه القواعد إلى قرارات سياسية عملية تصطدم بحسابات إقليمية دقيقة وتوازنات دولية حساسة.
القانون الدولي يقول كلمته… لكن السياسة تتحكم في التوقيت
من الناحية القانونية، لا يترك الإطار الدولي مجالًا واسعًا للاجتهاد: أسرى الحرب يتمتعون بحماية خاصة، ولا يجوز إعادتهم إلى أماكن قد يواجهون فيها خطر التعذيب أو الاضطهاد أو المعاملة اللاإنسانية.
غير أن التطبيق العملي لهذه القواعد في زمن الحرب يخضع لسلطة الدولة التي تحتجز الأسرى، وهي في هذه الحالة أوكرانيا. هذا الواقع يجعل القرار النهائي مرهونًا بحسابات كييف السياسية وعلاقاتها مع شركائها، أكثر مما هو مرتبط بنصوص القانون وحدها.
سيول تعرض الاستقبال… لكن القرار ليس بيدها
الموقف الكوري الجنوبي يبدو مبدئيًا واضحًا: إذا عبّر الأسيران عن رغبتهما في الانتقال إلى الجنوب، فإن سيول مستعدة لاستقبالهما وتعتبرهما مواطنين بموجب تفسيرها الدستوري لمسألة الجنسية.
لكن هذا العرض يصطدم بحدود النفوذ الفعلي لكوريا الجنوبية في مسار الملف. فسيول لا تملك سلطة الوصول المباشر إلى الأسرى ولا التحكم في توقيت أو آلية نقلهم، ما يجعل موقفها أقرب إلى إعلان سياسي أخلاقي منه إلى خطة تنفيذية قابلة للتطبيق فورًا.
عدم الإعادة القسرية… خط أحمر قانوني وإنساني
يتفق خبراء القانون الدولي على أن إعادة أي أسير إلى بيئة يُحتمل أن يتعرض فيها لانتهاكات جسيمة تمثل انتهاكًا صارخًا لمبدأ عدم الإعادة القسرية. هذا المبدأ لا يكتفي بحماية اللاجئين فحسب، بل يمتد ليشمل حالات الأسر في النزاعات المسلحة عندما يكون الخطر على الحياة أو الحرية قائمًا.
في حالة الجنود الكوريين الشماليين، يُنظر إلى إعادتهم القسرية إلى بلادهم على أنها مخاطرة عالية، نظرًا لطبيعة النظام السياسي هناك وسجله في التعامل مع العائدين من الخارج، خصوصًا من يُشتبه في “انحرافهم” أو تواصلهم مع دول أخرى.
أوكرانيا في المنتصف: التزامات قانونية وحسابات حرب
تجد كييف نفسها أمام اختبار صعب: فهي مطالبة قانونيًا باحترام قواعد حماية أسرى الحرب، لكنها في الوقت نفسه تدير نزاعًا مفتوحًا وتخوض مفاوضات متقطعة حول تبادل الأسرى مع موسكو.
في هذا السياق، يصبح أي قرار بشأن مصير جنود من دولة ثالثة جزءًا من لوحة تفاوض أوسع، قد تُستخدم فيها ملفات إنسانية كورقة ضمن ترتيبات سياسية أكبر. الصمت الرسمي الأوكراني حول القضية يعكس هذا التعقيد، أكثر مما يعكس غموضًا في القواعد القانونية نفسها.
حساسية الملف في شبه الجزيرة الكورية
نقل الأسرى إلى كوريا الجنوبية، وإن بدا قانونيًا من حيث المبدأ، يحمل أبعادًا سياسية شديدة الحساسية. فبيونغ يانغ قد تعتبر الخطوة استفزازًا مباشرًا وتوظفها في خطاب تعبوي داخلي، ما يفاقم التوتر بين الكوريتين في لحظة إقليمية أصلاً مضطربة.
كما أن انخراط روسيا في الحرب الأوكرانية يمنح الملف بعدًا إضافيًا، إذ قد يُقرأ أي تحرك من سيول على أنه اصطفاف سياسي يتجاوز البعد الإنساني البحت.
بين الوضوح القانوني والحذر الاستراتيجي
الخبراء يجمعون على أن الإطار القانوني واضح، لكنهم يختلفون حول أسلوب إدارة الملف سياسيًا. فبين من يدعو إلى تحرك علني ضاغط عبر المنظمات الدولية، ومن يفضّل مقاربة هادئة تعتمد القنوات الدبلوماسية غير المعلنة، يبقى التحدي في الموازنة بين حماية حقوق الأسرى وعدم تحويل قضيتهم إلى وقود إضافي في صراع دولي متشابك.
في النهاية، مصير الجنديين لا تحدده النصوص وحدها، بل شبكة معقّدة من المصالح والاعتبارات، حيث يتقاطع الإنساني مع الجيوسياسي في لحظة حرب مفتوحة لا تلوح لها نهاية قريبة.






