تشير الشهادات الطبية الميدانية الواردة من قطاع غزة، وخصوصاً من مستشفى الأطفال بمجمع ناصر الطبي في خان يونس، إلى أن نقص حليب الأطفال ليس مجرد أزمة غذائية عابرة، بل هو مؤشر حاد على انهيار المنظومة الصحية والإنسانية بالكامل، وتحول المجاعة إلى واقع يهدد الحياة في أكثر صورها هشاشة: حياة الرضع.
الحرمان الكامل من حليب الأطفال منذ أكثر من أربعة أشهر يشكل خطراً وجودياً على مئات الآلاف من المواليد الجدد، خاصة أولئك الذين لا يستطيعون الحصول على رضاعة طبيعية بسبب سوء تغذية الأمهات أو اليتم أو المرض. وهو ما ظهر جلياً في حالات موثقة مثل الطفلة سيلا بربخ التي لم تتجاوز 11 شهراً ويبلغ وزنها ثلاثة كيلوغرامات فقط، أو الرضيع يحيى النجار الذي توفي قبل أن يكسب أي وزن منذ ولادته، نتيجة عجز جسده عن الحصول على أي تغذية مناسبة.
قتل بطيء ممنهج
ما تكشفه هذه الشهادات لا يتوقف عند نقص الغذاء، بل يصل إلى ما يمكن تسميته “قتل بطيء ممنهج”، إذ إن فقدان الحليب الصناعي، إلى جانب غياب الرعاية الصحية الأساسية، يعني أن الطفل يُترك وحده في مواجهة الجوع والموت، بلا حماية ولا غذاء ولا دواء. وتتفاقم الكارثة عندما تصبح هذه الحالات النمط السائد لا الاستثناء، ما يعكس وجود سياسة حصار لا تميز بين مقاتل ومدني، بل تستهدف البنية البيولوجية للشعب من جذورها.
الدلالة الأخطر لهذا النقص هي أن الجوع بات يبدأ في المهد، وأن الموت لم يعد نتيجة للقصف فقط، بل صار نتيجة للجوع الذي يفترس الأطفال دون أن يُسمع لهم بكاء، لأنهم أصبحوا -كما وصفهم الأطباء- “عظاماً يكسوها الجلد”، منهكين، فاقدين القدرة على البكاء أصلاً. وهذه الصورة المرعبة تعكس ما وصفه الدكتور أحمد الفرا بـ”الجسد الذي يأكل نفسه”، حين يضطر الجسم الصغير إلى استهلاك عضلاته وأنسجته للبقاء على قيد الحياة في غياب أي مصدر خارجي للطاقة.
أزمة فساد وسوء توزيع
كما يكشف نقص الحليب عن انهيار الأمن الغذائي بمفهومه الشامل، إذ لم تعد المشكلة في ندرة صنف معين من الطعام، بل في غياب كامل لمنظومة التغذية والرعاية. فحين تعجز المستشفيات عن توفير الحليب لأشد الفئات هشاشة، فإن الحديث عن أي بنية صحية يصبح عبثياً، ويتحوّل إلى واجهة خاوية.
إضافة إلى ذلك، فإن ارتفاع سعر عبوة الحليب -إن وُجدت- إلى 100 دولار في السوق السوداء، وكونها غالباً منتهية الصلاحية، يدل على وجود أزمة فساد وسوء توزيع حتى في ظل الشح، ويطرح أسئلة قاسية حول وجهة المساعدات التي يُقال إنها دخلت القطاع، لكنها لم تصل إلى الأطفال المحتاجين في المستشفيات، ما دفع الدكتور الفرا للتساؤل: “أين ذهبت هذه المساعدات إذا كان الأطفال يموتون جوعاً؟”.
وفي ظل كل هذا، يزداد البعد الأخلاقي للكارثة، إذ تتجاوز المسألة حدود المسؤولية السياسية أو العسكرية لتدخل مجال الجرائم الإنسانية، حيث يُمنع عن الأطفال غذاؤهم، ويُحاصرون في أماكن لا يصلها الدواء أو الحليب أو المساعدة، ويُتركون للموت في مشهد يوصف بدقة بأنه مجزرة صامتة.
فشل دولي
وتضفي شهادة الفرا بعداً جديداً على النقاش، حين تضع الرواية الإسرائيلية الرسمية أمام الواقع الطبي الميداني، فبينما ينكر مسؤولون إسرائيليون وجود المجاعة، تقدم المستشفيات صوراً حية تنقض هذه الادعاءات: أجساد هزيلة، عيون غائرة، أطفال لا يرون الموز ولا يعرفون طعمه، ويتساءلون إن كان موجوداً في الجنة، لأنهم لم يروه على الأرض.
نقص حليب الأطفال لم يعد مجرد نقص في مادة غذائية، بل أصبح رمزاً للفشل الدولي في حماية الأطفال، وشاهداً على الجريمة التي تُرتكب بحق جيل كامل من الرضّع الذين يُدفنون قبل أن يكبروا، لا بسبب سلاح، بل بسبب زجاجة حليب لم تصل.






