أكد الرئيس إيمانويل ماكرون على ضرورة التهدئة في محافظة السويداء، ودفع المفاوضات بين الحكومة السورية الجديدة و”قوات سوريا الديمقراطية – قسد” إلى الأمام، مشددًا على أهمية حماية المدنيين وضمان عدم تكرار مشاهد العنف.
تصريحات ماكرون، التي وردت في تغريدة له على منصة “إكس” السبت، جاءت عقب مكالمة هاتفية مع الرئيس السوري أحمد الشرع، تناولت الملفات الحساسة في المشهد السوري الراهن، بما في ذلك المفاوضات غير المباشرة مع إسرائيل، والوضع الأمني في الجنوب، والتقرير المرتقب للجنة التحقيق الوطنية بشأن أحداث الساحل السوري في آذار/مارس الماضي.
باريس تتعامل مع الأمر الواقع… ولكن بشروط
فرنسا، التي لطالما ربطت دعمها لأي عملية انتقالية في سوريا برحيل بشار الأسد، وجدت نفسها اليوم أمام واقع سياسي جديد يتمثل في تولي أحمد الشرع الرئاسة عقب انهيار منظومة الأسد. وبالرغم من أن باريس لم تصدر بعد موقفًا صريحًا من شرعية القيادة الجديدة، فإن مكالمة ماكرون مع الشرع تعكس براغماتية دبلوماسية تقر بالتغيير وتحاول التأثير في مساره.
وتشير مصادر دبلوماسية فرنسية إلى أن باريس لا تعارض من حيث المبدأ التعامل مع النظام الجديد، لكنها تشدد على وجوب بناء مسار انتقالي شامل، يتضمن إصلاحات دستورية، ومساءلة شفافة بشأن الانتهاكات التي وقعت خلال فترة الانهيار السياسي والأمني.
“أحداث الساحل” تحت المجهر القضائي
ماكرون أبدى خلال الاتصال قلقه حيال نتائج لجنة التحقيق الوطنية حول أحداث العنف التي شهدها الساحل السوري، مطالبًا باتخاذ إجراءات قضائية صارمة ضد كل من يثبت تورطه، في رسالة تعكس إصرار باريس على عدم القفز فوق ملف المحاسبة، حتى وإن تم تجاوز الأسد سياسيًا.
وأكّد الرئيس الفرنسي أن هذه الأعمال تؤكد هشاشة المرحلة الانتقالية، داعيًا القيادة السورية الجديدة إلى “تغليب منطق الدولة على منطق الثأر، وتفادي العودة إلى العنف الممنهج الذي طبع سنوات الحرب”.
السويداء: ساحة اختبار للمصالحة
وقف إطلاق النار الأخير في محافظة السويداء حظي بترحيب فرنسي، واعتبره ماكرون “مؤشرًا إيجابيًا”، لكنه ربط نجاح هذا المسار بإطلاق حوار وطني هادئ يُفضي إلى توحيد سوريا على أسس حقوقية ومؤسساتية. ويبدو أن باريس تنظر إلى الجنوب السوري كمنصة يمكن من خلالها اختبار نوايا النظام الجديد، ومدى قدرته على احتواء التوترات دون اللجوء إلى القمع أو الإقصاء.
قسد وإسرائيل… اختبار التوازنات الخارجية
أما بشأن المفاوضات مع “قسد”، فقد شدد ماكرون على ضرورة بلورة رؤية متقدمة تضمن دمج هذه القوات ضمن هيكل وطني شرعي، مع احترام الخصوصيات المحلية والإثنية. كما أشار إلى وجود مسار مفاوضات غير مباشر مع إسرائيل، في إشارة إلى بوادر انفتاح جديد، وإن كان مشروطًا بتسوية القضايا الداخلية أولًا.
هل تتجه فرنسا نحو “شراكة مشروطة” مع النظام الجديد؟
حتى اللحظة، لا تزال فرنسا تتريث في منح الشرعية الكاملة للرئيس الشرع، لكنها لا تُمانع الانخراط في حوار مباشر معه، ضمن ما يمكن وصفه بـ”سياسة الاحتواء الإيجابي”. فهي تدرك أن استمرار الفوضى في سوريا يفتح المجال أمام قوى إقليمية ودولية منافسة، لا تشاركها ذات الرؤية في ما يخص ملفات الحكم، وحقوق الإنسان، والسيادة.
ويُجمع مراقبون على أن باريس تحاول في هذه المرحلة رسم معالم جديدة لدورها في سوريا، بحيث تجمع بين الواقعية السياسية والتمسك بالمبادئ، في لحظة يُعاد فيها تشكيل توازنات الشرق الأوسط على وقع انهيارات وتحولات كبرى.







