لا تزال أزمة سد النهضة قائمة بين القاهرة وأديس أبابا، إذ عاد التوتر من جديد الواجهة بقوة، خاصة مع تبادلٍ حاد للاتهامات بشأن مياه النيل، في مؤشر على دخول الخلاف الممتد منذ أكثر من عقد مرحلة أكثر حساسية، تصعد إثيوبيا خطابها متهمة مصر بـ«احتكار» مياه النيل، ةلكن القاهرة ردت بنبرة غير مسبوقة، مؤكدة أن أمنها المائي «خط أحمر» لا يقبل المساومة، ويعكس التصعيد المتبادل عن عمق الأزمة وتعقيداتها القانونية والسياسية، وانسداد المسار التفاوضي، وسط مخاوف متزايدة من تداعيات إقليمية تمس استقرار حوض النيل برمته.
وفي بيان رسمي، هاجم وزير الموارد المائية والري المصري هاني سويلم، ادعاءات إثيوبيا بأن مصر تحتكر مياه النيل، وذللك ردًا على البيان الإثيوبي الحاد الأخير، ووصف وزير الري المصري بيان أديس أبابا ضد مصر بأنه “يفتقر للدقة ويحتوي على مغالطات علمية وأكاذيب متكررة”، مشيرا إلى أن إثيوبيا تلجأ إلى اتهام مصر بالاحتكار للتغطية على فشلها في إدارة وتشغيل سد النهضة. حسب روسيا اليوم.
ادعاءات إثيوبية كاذبة
وأوضح أن “الأرقام تكشف زيف الادعاءات الإثيوبية بشأن استخدام مياه النيل”، مؤكدا أن النمط الإثيوبي في إدارة الأنهار الدولية يعتمد على افتعال الأزمات، محذراً من أن محاولات السيطرة على مياه النيل الأزرق “أوهام لدى أصحابها”. وفي تصعيد لافت أعلن الوزير المصري في تصريحات نقلتها وسائل إعلام محلية أن بناء وتشغيل سد النهضة دون اتفاق مع دولتي المصب يجعله “غير قانوني وغير شرعي بالنسبة لنا”، موضحاً أن مصر حذرت مراراً من سوء إدارة السد خلال الجفاف والفيضانات.
وشدد على استعداد القاهرة لكل السيناريوهات المحتملة، قائلا: “الأمن المائي المصري غير قابل للمساومة، ومستعدون للتعامل مع السيناريوهات كافة، ولن نترك أمننا المائي رهينة لتصرفات أحادية غير مسؤولة”. ووصف سويلم موضوع أمان السد بأنه “صندوق أسود” يدار دون قواعد تشغيل فنية أو هندسية مستقرة، مع غياب دراسات إنشائية معلنة تثير مخاوف حقيقية.
وأكد أن الوزارة ترصد على مدار الساعة “أي تصرف خاطئ” في تشغيل السد، مشيراً إلى أن كل تصرف إثيوبي غير محسوب “موثق”، وذلك وسط تصاعد التوترات الدبلوماسية، حيث يرى مراقبون أن الأزمة قد تدخل مرحلة جديدة مع تعنت الطرفين بمواقفهما، مما يهدد الاستقرار الإقليمي في حوض النيل.
إثيوبيا تهاجم مصر والقاهرة ترد بقوة
تصريحات وزير الري المصري، جاءت ردًا على البيان شديد اللهجة، التي أصدرته الخارجية الإثيوبية في بداية ديسمبر اتهمت فيه مصر بـ”التمسك بعقلية استعمارية” والسعي إلى “احتكار مياه النيل” استنادا إلى معاهدات قديمة من الحقبة الاستعمارية. إذ وصف البيان التصريحات المصرية المتكررة بأنها رفض قاطع للحوار، وتحمل تهديدات ما بين مبطنة وصريحة، وتعكس فشلا في استيعاب “حقائق القرن الـ21”. كما اتهمت إثيوبيا مصر بمحاولات زعزعة استقرار منطقة القرن الأفريقي للحفاظ على هيمنتها المائية، مؤكدة أن نهر أباي (النيل الأزرق) يساهم بنحو 86% من مياه النيل، وأنها لن تطلب إذناً من أحد لاستخدامه وفق مبادئ الاستخدام العادل والمعقول.
ويأتي هذا التصعيد في سياق أزمة ممتدة منذ 2011، مع بدء إثيوبيا بناء سد النهضة الإثيوبي الكبير على النيل الأزرق دون اتفاق ملزم مع دولتي المصب (مصر والسودان)، حيث اكتمل ملء السد تدريجيا، وتم افتتاحه رسمياً في سبتمبر 2025، وسط اتهامات مصرية بأن الإجراءات الأحادية تهدد أمنها المائي الوجودي، حيث تعتمد مصر بنسبة تفوق 97% على النيل.
وفشلت مفاوضات متعددة برعاية الاتحاد الأفريقي والولايات المتحدة، مع إصرار إثيوبيا على سيادتها على مواردها، ومطالبة مصر باتفاق قانوني يضمن عدم الإضرار بحصتها التاريخية. شهدت الأشهر الأخيرة تقلبات في تصريف المياه، أدت إلى فيضانات وجفاف مفاجئ، مما زاد التوترات.
إمكانية الوصول إلى الحل العسكري
وحسب الشرق الأوسط، قال الخبير العسكري المصري اللواء سمير فرج إن «التدخل العسكري يبقى حلاً أخيراً في التعامل مع قضية السد الإثيوبي، حال حدوث ضرر كبير لمصر في حصتها المائية»، وأضاف: «القاهرة لا تفضل هذا الخيار، ولن تلجأ إليه إلا حينما تفشل جميع السبل الدبلوماسية والسياسية في إنهاء النزاع القائم مع أديس أبابا».
ورغم وصول المفاوضات إلى طريق مسدود، يعتقد فرج أن «فرص الحل السياسي ما زالت مطروحة»، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «الولايات المتحدة سبق وأن اتخذت خطوات فعلية لإنهاء النزاع، في الفترة الأولى لولاية الرئيس الحالي دونالد ترمب»، مشيراً إلى أنه «إذا قام الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بزيارة لواشنطن قريباً، ربما ستشهد اختراقاً لقضية السد الإثيوبي مرة أخرى».
واستضافت واشنطن خلال ولاية ترمب الأولى جولة مفاوضات عام 2020، بمشاركة البنك الدولي، ورغم التقدم الذي شهدته المفاوضات بين الدول الثلاث (مصر وإثيوبيا والسودان)، لكنها لم تصل إلى اتفاق نهائي، بسبب رفض الجانب الإثيوبي التوقيع على مشروع الاتفاق، الذي جرى التوصل إليه وقتها.
عقيدة عسكرية قائمة على احترام المعاهدات والاتفاقات
وتتبنى الحكومة المصرية عقيدةً عسكريةً قائمة على «الدفاع عن أمنها وحقوقها وليس الاعتداء»، وفق عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، والمستشار بالأكاديمية العسكرية للدراسات العليا والاستراتيجية، اللواء عادل العمدة، الذي أضاف قائلاً إن «التلويح باستخدام كافة الوسائل المتاحة وفقاً للقانون الدولي، نوع من الردع، لعدم التمادي في الإضرار بحقوق مصر المائية».
وأشار العمدة في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» إلى أن «القاهرة حريصة على احترام المعاهدات والاتفاقات التي وقعت عليها، وتعمل في الوقت نفسه على طرق جميع مسارات التفاوض والحلول السلمية، وحال الوصول لطريق مسدود، ستغلب المصلحة العامة وفقاً للقانون الدولي»، عاداً سياسية أديس أبابا في عدم الوصول لحل في قضية السد «محاولة لإطالة أمد الصراع مع دولتي المصب، لاستخدامه ورقةً سياسيةً داخليةً».
في الوقت نفسه، يرى عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، السفير صلاح حليمة، أن «الخيار العسكري حل يكفله القانون الدولي، وفقاً للفصل السادس والسابع من مجلس الأمن»، وأضاف: «يدخل في باب حق الدفاع عن النفس والحقوق المائية المصرية، ولا يدخل في باب الاعتداء»، مشيراً إلى أن «القاهرة لجأت أكثر من مرة لمجلس الأمن للتأكيد على هذا الحق».
السد الإثيوبي خطر وجودي
وسبق وقدمت الحكومة المصرية أكثر من خطاب إلى مجلس الأمن الدولي، تحتج فيه على التصرفات الإثيوبية الأحادية، وقالت وفقاً لإفادات لوزارة الخارجية، إن «السد الإثيوبي يمثل خطراً وجودياً عليها»، وأشارت إلى «انتهاء مسارات المفاوضات بشأن سد النهضة، بعد 13 عاماً من التفاوض»، وأرجعت ذلك إلى أن «أديس أبابا ترغب فقط في استمرار وجود غطاء تفاوضي لأمد غير منظور بغرض تكريس الأمر الواقع، دون وجود إرادة سياسية لديها للتوصل لحل».
ويعتقد حليمة، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «الطرق السلمية ما زالت متاحة، وتشمل مراجعة أديس أبابا لمواقفها والتخلي عن سياسة الأمر الواقع والتصرف الأحادي في إدارة وتشغيل السد، وأن تخرج في حوار مع دولتي المصب بحسن نية وصولاً لاتفاق ينظم عمل السد بما لا يضر بمصالح مصر والسودان».
وفي السياق ذاته، قال بدر عبد العاطي عبد العاطي، وزير الخارجية المصري، في تصريحات تلفزيونية، الأحد، إن مصر أعلنت موقفها بوضوح، بأن “قضية الأمن المائي وجودية ولا يمكن التهاون أو التفريط بشأنها”، مضيفا أن موقف القاهرة واضح بأن “المسار التفاوضي انتهى ووصل إلى طريق مسدود”. وشدد على أن “مصر لديها الحق كاملا في استخدام الوسائل المتاحة طبقا لما يكفله القانون الدولي، للدفاع عن نفسها ومصالحها المائية إذا حدث أي ضرر”.
تعقد المفاوضات
وردا على ما إذا كان حديثه يشير إلى الحل العسكري، قال عبد العاطي: “مرة أخرى أقول كل ما يكفله القانون الدولي، للدول حق الدفاع عن مصالحها في حالة وقوع ضرر، ومصر لديها الحق كاملا في الدفاع عن نفسها”.
وتعتبر مصر أي تحركات تخص نهر النيل “تهديدا وجوديا” باعتباره “مصدر الحياة” في البلاد، وصعدت القاهرة لهجتها مؤخرا بعد وصول المفاوضات مع إثيوبيا إلى طريق مسدود بعد قرابة 15 عاما من المفاوضات “دون جدوى”، وأكدت أنها “لن تقف مكتوفة الأيدي أمام نهج إثيوبيا غير المسئول”.
وفي حين تدعو مصر إلى الوصول إلى اتفاق لتشغيل سد النهضة وتلبية احتياجات الدول الثلاث إثيوبيا والسودان ومصر، باعتبار أن النيل نهرا دوليا مشتركا، تقول إثيوبيا إن السد يخضع لسيادتها الكاملة ويقع على أراضيها.






