تُمثل الهجمات المتكررة التي تتعرض لها دور العبادة في القدس والضفة الغربية المحتلتين، تصعيدًا خطيرًا في نمط العنف الإسرائيلي، يعكس تحولًا في طبيعة الاستهداف من المدنيين إلى الرموز الدينية والثقافية، في محاولة لزعزعة البنية الروحية والاجتماعية للشعب الفلسطيني، وإحداث شرخ عميق في نسيجه التاريخي والحضاري. الاعتداء الأخير على كنيسة القديس جاورجيوس في قرية الطيبة شرق رام الله، وإضرام النار في أحد مواقعها الأثرية، يندرج ضمن هذا السياق، ويكشف عن أبعاد تتجاوز الفعل التخريبي إلى رسائل سياسية وثقافية وأمنية متعددة.
الإرهاب الاستيطاني
الكنيسة المستهدفة ليست مجرد مبنى ديني، بل معلم بيزنطي يمتد تاريخه إلى القرن الخامس، يحتل مكانة خاصة لدى الطائفة المسيحية الفلسطينية، ويشكّل شاهدًا على امتداد الجذور الحضارية للشعب الفلسطيني بكل أطيافه الدينية. ولذلك، فإن استهدافها يحمل في طياته محاولة لطمس الهوية المتجذرة، وسلب المكان من مضمونه التاريخي والروحي. فإحراق الكنيسة أو تخريبها لا يختلف في جوهره عن تجريف مقبرة أو اقتحام مسجد، لأنه يمس البنية التكوينية للوعي الجمعي الفلسطيني.
وتكتسب الجريمة أبعادًا أخطر في ظل تصاعد موجة الاعتداءات التي ينفذها المستوطنون المتطرفون ضد المدنيين وممتلكاتهم ومقدساتهم، والتي باتت توصف على نطاق واسع بـ”الإرهاب الاستيطاني”. هذه الجرائم غالبًا ما تُنفذ تحت أنظار الجيش الإسرائيلي، إن لم تكن بتواطؤ مباشر منه، ما يعزز مناخ الإفلات من العقاب، ويحوّل المستوطنين إلى ذراع منفلتة للعنف الرسمي.
اشتباك سياسي وأيديولوجي
زيارة السفير الأمريكي مايك هاكابي إلى موقع الكنيسة، ورغم ما تحمله من دلالة رمزية في التضامن مع الحرية الدينية، لا تفصل بين الدعم الأمريكي المستمر لإسرائيل، وبين النتائج المباشرة لهذا الدعم في تصاعد الانتهاكات على الأرض. فهاكابي نفسه يُعرف بتأييده الشديد للمستوطنات، وهو ما يُضعف من مصداقية مواقفه التصالحية حين يتعلق الأمر باعتداءات على المقدسات الفلسطينية. ومع ذلك، فإن تصريحه الذي وصف فيه ما جرى بأنه “عمل إرهابي” يستوجب المحاسبة، يُعد تطورًا نادرًا في الخطاب الرسمي الأمريكي، لكنه حتى الآن لا يرتقي إلى مستوى الضغط السياسي أو الدبلوماسي المطلوب لضمان حماية أماكن العبادة وحقوق السكان الأصليين.
الاعتداءات على دور العبادة، سواء في القدس أو الضفة الغربية، تحمل أيضًا بعدًا ديموغرافيًا، إذ تندرج ضمن محاولات تغيير الطابع الديني والتاريخي للمكان، وفرض وقائع جديدة على الأرض تخدم الأجندة الاستيطانية. وتُظهر تقارير رسمية أن هذه الجرائم لا تستهدف المسلمين فقط، بل تمتد للمسيحيين أيضًا، ما يؤكد أن المشروع الاستيطاني قائم على استهداف كل مكوّن غير يهودي في الأرض المحتلة، في سياق ما بات كثيرون يصفونه بـ”التهويد القسري”.
كما أن استهداف الكنائس في الضفة يوازي، من حيث الخطورة، الاقتحامات المتكررة للمسجد الأقصى في القدس، حيث تتحول الأماكن المقدسة إلى ساحات اشتباك سياسي وأيديولوجي، ضمن معركة السيطرة على الرمزية والمكان. هذه الاعتداءات تُوجّه رسائل قاسية للفلسطينيين، مفادها أن لا خطوط حمراء، حتى إن كانت دور العبادة نفسها.
إعادة تشكيل الهوية الجغرافية للأرض المحتلة
أما على المستوى القانوني، فإن المجتمع الدولي ما زال يتعاطى مع هذه الجرائم كـ”حوادث فردية”، في حين أنها جزء من سياسة ممنهجة تهدف إلى تفكيك المجتمع الفلسطيني ثقافيًا ودينيًا. ورغم القرارات الأممية التي تنص على حماية الأماكن المقدسة، إلا أن غياب الإرادة السياسية، وازدواجية المعايير، يحوّلان هذه القرارات إلى حبر على ورق، ويجعلان من الاحتلال سلطة فوق القانون.
استهداف دور العبادة في فلسطين ليس فقط اعتداءً على مقدسات دينية، بل هو هجوم شامل على الإرث الحضاري والحقوق التاريخية للشعب الفلسطيني، في محاولة لإعادة تشكيل الهوية الجغرافية والروحية للأرض المحتلة. وبينما يدفع الفلسطينيون ثمن دفاعهم عن هذا الإرث، يستمر المجتمع الدولي في تقديم بيانات الشجب دون فعل حقيقي، تاركًا الحماية الروحية والتاريخية لهذا الشعب في مواجهة مفتوحة مع آلة استعمارية لا تعترف بمقدّس، ولا تتوقف عند حدود.




