عقد الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز، ولي العهد السعودي ورئيس مجلس الوزراء، والرئيس التركي رجب طيب إردوغان، جلسة مباحثات رسمية في قصر اليمامة بالرياض، تناولت أبرز تطورات الأحداث الإقليمية والدولية، إضافة إلى سبل تعزيز العلاقات الثنائية بين البلدين.
وفي مستهل الاجتماع، رحب ولي العهد السعودي بالرئيس التركي، الذي عبّر عن سعادته بزيارة المملكة ولقائه بولي العهد. وشهد اللقاء استعراضًا شاملًا لآفاق التعاون في المجالات السياسية والاقتصادية والأمنية، مع التركيز على الفرص الواعدة لتطوير الشراكات المستقبلية.
مراسم الاستقبال والبروتوكول الرسمي
وصل الرئيس التركي إلى الرياض يوم الثلاثاء، في زيارة رسمية هي الأولى منذ يوليو/تموز 2023، عندما وقع البلدان صفقة دفاعية كبرى. وقام ولي العهد باستقباله في الديوان الملكي، حيث أُقيمت مراسم رسمية تميزت بالدقة البروتوكولية، فيما تولى أمير منطقة الرياض استقبال الرئيس التركي عند وصوله إلى العاصمة.
الملف الإيراني: الرياض وإردوغان على خط الوساطة
جاء الاجتماع بين الرياض وأنقرة في وقت حساس، بعد أيام من تصريحات عن رفض تركيا الانضمام إلى تحالف دفاعي مشترك بين السعودية وباكستان، رغم الانخراط التركي السابق في محادثات حول التحالف.
وفي سياق دبلوماسي دقيق، عرض الرئيس التركي التوسط لتخفيف التوتر بين الولايات المتحدة وإيران، قبل أيام من جولة محتملة من المحادثات في تركيا. وتهدف هذه الجهود إلى تجنب أي تصعيد عسكري قد يهدد استقرار المنطقة، بما يعكس حرص المملكة وتركيا على لعب دور فاعل في ضبط التوازن الإقليمي.
الاقتصاد والتجارة: تعافٍ متسارع بعد أزمة خاشقجي
تجسد العلاقات الاقتصادية بين السعودية وتركيا نقطة مضيئة في زيارة إردوغان، إذ شهد حجم التجارة بين البلدين انتعاشًا كبيرًا بعد تراجع حاد في عام 2021 إلى 265 ألف دولار نتيجة أزمة مقتل الصحفي جمال خاشقجي.
بحسب الإحصاءات الرسمية، وصلت التجارة بين البلدين إلى نحو 5 مليارات دولار اليوم، مع ارتفاع الصادرات التركية إلى السعودية بنسبة 450% في 2022 لتبلغ 1.5 مليار دولار، وتجاوزت 2.3 مليار دولار في 2023، بينما سجلت الفترة بين يناير وسبتمبر 2024 رقمًا قياسيًا قدره 2.9 مليار يورو.
تركز تركيا على تصدير الآلات والسجاد والأثاث، فيما تتجه السعودية لتصدير المنتجات الكيميائية، ما يعكس تنوعًا في بنية التجارة الثنائية وفرصًا كبيرة للتوسع.
الطموحات الاقتصادية: شراكة مستدامة
أكد ممثلو القطاع الاقتصادي التركي أهمية استمرار نمو الصادرات الثنائية، مع الإشارة إلى الاهتمام الكبير للجانب السعودي بالمنتجات التركية. وقال بولنت أيمن، نائب رئيس رابطة مصدري منتجات الأثاث والورق والغابات في منطقة البحر المتوسط، إن صادرات تركيا إلى السعودية ترتفع بنسبة تقارب 80% شهريًا، مع تنظيم مستمر للمعارض والمحادثات التجارية.
كما أشار إلى أن تركيا تحتل المركز الثالث عالميًا في إنتاج الأثاث بعد الصين وإيطاليا، ما يعكس الإمكانات الكبيرة والواعدة لتعزيز التعاون الاقتصادي بين الرياض وأنقرة.
قراءة مستقبلية: من السياسة إلى الاقتصاد
زيارة الرئيس التركي تعكس سعي الطرفين لربط السياسة بالاقتصاد، وتحويل الحوار الثنائي إلى شراكة استراتيجية متعددة الأبعاد. فالملفات السياسية، خصوصًا المتعلقة بالملف الإيراني والتوازن الإقليمي، تمثل جانبًا حساسًا، بينما تمثل التجارة والاستثمار أرضية صلبة يمكن البناء عليها لتعزيز الثقة والتعاون طويل الأمد بين البلدين.
وتأتي هذه الزيارة في لحظة حاسمة، حيث يسعى البلدان إلى استغلال الفرص الاقتصادية، وتقديم نموذج للتعاون الإقليمي المستقر، في وقت تتسم فيه المنطقة بتحديات متعددة على صعيد الأمن والدبلوماسية.







