تعكس التصريحات الأخيرة للسفير الإسرائيلي لدى الولايات المتحدة يحيئيل لايتر، والتي أدلى بها لشبكة «فوكس نيوز»، يظهر بوضوح الخطاب الاستفزازي الذي تسعى من خلاله إسرائيل إلى فرض روايتها على الساحة الدولية وتبرير عملياتها العسكرية خارج حدودها. إذ قال لايتر إن إسرائيل إذا «أخطأت أهدافاً في الدوحة، فستصيبها في المرة المقبلة»، مهدداً بأن حركة «حماس» وأعضائها مستهدفون «في أي مكان وزمان». هذه اللغة لا تكشف فقط عن إصرار الاحتلال على مواصلة سياساته العسكرية دون أي اعتبار لسيادة الدول أو القانون الدولي، بل تعكس أيضاً حالة من التعالي على المجتمع الدولي، باعتبار أن إسرائيل فوق المساءلة أو العقاب.
تغيير وجه الشرق الأوسط
ما يعزز هذا الانطباع هو حديث السفير عن أن إسرائيل «تغيّر وجه الشرق الأوسط»، وأن الانتقادات الدولية مجرد عارض سرعان ما سيتجاوزه العالم، في إشارة واضحة إلى رهانه على ضعف ردود الفعل الدولية وتقصير المنظومة الأممية في فرض أي إجراءات رادعة. كما لم يخفِ لايتر التنسيق العميق مع إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، مؤكداً أن التعاون سيستمر، الأمر الذي يسلط الضوء على الغطاء السياسي الذي تحصل عليه إسرائيل من حلفائها الغربيين، وهو ما يمنحها هامشاً واسعاً لتنفيذ عمليات عسكرية في دول ذات سيادة مثل قطر.
في المقابل، أعلنت قطر أن الغارات الإسرائيلية استهدفت مقرات سكنية تضم أعضاء من المكتب السياسي لحركة «حماس»، ما يفتح الباب أمام تساؤلات خطيرة حول اختراق سيادة دولة عضو في الأمم المتحدة وقيام طرف آخر بتنفيذ هجوم عسكري على أراضيها. أما حركة «حماس» فأكدت مقتل خمسة من أعضائها، بينهم نجل القيادي خليل الحية ومدير مكتبه، لكنها شددت على فشل إسرائيل في اغتيال الوفد المفاوض. هذه المعطيات تكشف أن العملية لم تكن مجرد استهداف عسكري بل تحمل أيضاً أبعاداً سياسية تتعلق بمسار المفاوضات.
من يملك محاسبة إسرائيل
السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه هنا: من يملك محاسبة إسرائيل على هذه الانتهاكات؟ من الناحية القانونية، مجلس الأمن الدولي هو الجهة المخولة بمناقشة وتفعيل القرارات الملزمة بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، لكن الواقع يُظهر أن الفيتو الأميركي غالباً ما يعطل أي إجراء ضد الاحتلال. أما على مستوى المؤسسات القضائية الدولية، مثل محكمة العدل الدولية أو المحكمة الجنائية الدولية، فإن الإجراءات تستغرق سنوات طويلة، فضلاً عن الضغوط السياسية التي تواجهها. وهذا يضعف ثقة الشعوب بقدرة المجتمع الدولي على إرساء العدالة، ويمنح إسرائيل مساحة إضافية للتصرف خارج الأطر الشرعية.
في النهاية، تعكس تصريحات السفير الإسرائيلي نزعة واضحة نحو فرض الأمر الواقع بالقوة، ورسالة تحدٍّ للمجتمع الدولي، مفادها أن الاحتلال لا يخشى العقاب ولا يعترف بحدود أو قوانين. ومع غياب آليات المساءلة الفاعلة، تبقى إسرائيل مطمئنة إلى أن التنديدات ستظل حبيسة البيانات، فيما تستمر سياساتها التي تجر المنطقة إلى مزيد من التصعيد وعدم الاستقرار.






