تسعى إسرائيل من خلال عملياتها العسكرية المتواصلة داخل قطاع غزة إلى فرض واقع جغرافي جديد، يتمثل في السيطرة على أجزاء واسعة من الأراضي ضمن خطة يُعتقد أنها تهدف إلى إنشاء منطقة عازلة واسعة بمحاذاة الحدود، وتقسيم القطاع فعليًا إلى مناطق منفصلة.
وبحسب تحليل لوكالة الأنباء الفرنسية مستند إلى خرائط نشرها الجيش الإسرائيلي وصور أقمار صناعية، بلغت مساحة المناطق التي تخضع حاليًا للسيطرة العسكرية الإسرائيلية نحو 187 كيلومترًا مربعًا، أي ما يزيد عن نصف مساحة القطاع البالغة حوالي 365 كيلومترًا مربعًا.
منطقة عازلة بعمق جديد
تشير المعطيات إلى أن هذه المساحات تشمل مناطق في شمال وجنوب وشرق غزة، في حين يحتفظ الجيش الإسرائيلي بوجود دائم في محيطها، مما يعزز الفرضيات حول نية إنشاء حزام أمني أو منطقة عازلة، يتراوح عمقها بين 1.5 إلى 3 كيلومترات داخل أراضي القطاع.
ووفقًا لمراقبين ميدانيين، بدأت إسرائيل فعليًا في تجريف أراضٍ واسعة وإقامة نقاط مراقبة وتحصينات دائمة على حدود هذه المناطق، في خطوة تنذر بتحول هذه الإجراءات إلى واقع دائم على الأرض.
أهداف أمنية وسياسية
تهدف إسرائيل من هذه التحركات إلى منع عودة الفصائل الفلسطينية إلى المناطق الحدودية، والحد من إمكانية إطلاق الصواريخ أو تنفيذ عمليات تسلل، بحسب الرواية الرسمية. إلا أن مراقبين يرون في هذه الخطوة جزءًا من خطة أشمل لإعادة تشكيل الجغرافيا السكانية للقطاع، وتقييد حركة السكان، وفرض سيطرة أمنية مطلقة في غياب أي شريك سياسي فلسطيني معترف به من قبل تل أبيب.
تداعيات محتملة
إن استمرار إسرائيل في فرض السيطرة العسكرية على أجزاء واسعة من قطاع غزة، مع إنشاء منطقة عازلة بعمق غير مسبوق، ينذر بتداعيات خطيرة قد تطال حاضر القطاع ومستقبله، على المستويين الإنساني والسياسي.
فمن الناحية الإنسانية، تُهدد هذه التحركات بحدوث نزوح داخلي واسع النطاق، حيث يُجبر آلاف السكان على مغادرة منازلهم الواقعة ضمن المناطق المستهدفة إما بسبب العمليات العسكرية أو نتيجة تدمير البنية التحتية، ما يعمّق أزمة النزوح في قطاع يعاني أصلًا من أعلى كثافة سكانية في العالم. كما أن فرض منطقة عازلة بهذا العمق سيؤدي فعليًا إلى تقليص مساحة العيش المتاحة للفلسطينيين، في وقت تعاني فيه المخيمات والمناطق السكنية الأخرى من اكتظاظ غير مسبوق.
أما على الصعيد السياسي، فإن إعادة رسم حدود غزة بشكل أحادي وفرضها كأمر واقع، تمثل تراجعًا جوهريًا عن فرص التوصل إلى أي تسوية سياسية شاملة. إذ أن هذه الخطوة تُمهد فعليًا لتفتيت القطاع وتحويله إلى كيانات غير مترابطة، ما يقوّض إمكانية إنشاء كيان فلسطيني موحد يتمتع بالسيادة.
ومن منظور القانون الدولي، فإن ما يحدث يثير تساؤلات جدية بشأن شرعية هذه التغيرات الجغرافية، خاصة وأن نقل السكان قسرًا، أو تغيير الوضع القانوني للأراضي المحتلة، يُعدّ مخالفة صريحة لاتفاقيات جنيف، ويُمكن أن يرقى إلى جريمة حرب بموجب القانون الدولي الإنساني.
وتحذر منظمات حقوقية من أن ترك هذه التحركات دون محاسبة دولية قد يشجع على نمو نماذج مشابهة في مناطق نزاع أخرى، مما يضعف الإطار القانوني الدولي ويُكرّس سياسة فرض السيطرة بالقوة بدلًا من الحلول السياسية العادلة.






