تعيش إيران واحدة من أكثر مراحلها السياسية غموضاً واضطراباً منذ عقود، بعد تقارير استخباراتية وإعلامية تحدثت عن إصابات خطيرة وتشوّهات بالغة لحقت بالمرشد الإيراني الجديد مجتبى خامنئي، في أعقاب الغارة الجوية التي استهدفت مجمع القيادة في طهران وأودت بحياة والده، وسط تساؤلات متصاعدة حول من يدير الدولة فعلياً في ظل غيابه شبه الكامل عن المشهد العلني.
إصابات خطيرة وتشوهات
كشفت وكالة «رويترز»، نقلاً عن ثلاثة مصادر من الدائرة الداخلية للمشهد السياسي الإيراني، أن مجتبى خامنئي ما زال يتعافى من إصابات بالغة في الوجه والساق، تعرض لها خلال الغارة التي استهدفت مجمع القيادة في منطقة باستور وسط العاصمة طهران.
وبحسب المصادر، فإن الهجوم أدى إلى تشوهات واضحة في الوجه، إضافة إلى إصابات خطيرة في إحدى الساقين أو كلتيهما، ما جعله في حالة صحية معقدة، رغم تأكيدهم أنه ما زال يحتفظ بقدراته الذهنية الكاملة ويشارك في بعض الاجتماعات عبر وسائل الاتصال الصوتي.
وتأتي هذه المعلومات في ظل غياب أي تأكيد رسمي من الجانب الإيراني حول طبيعة إصاباته، ما يفتح الباب أمام مزيد من التكهنات بشأن وضعه الصحي الحقيقي.
إدارة الدولة من خلف الستار
وتشير المصادر ذاتها إلى أن مجتبى خامنئي، البالغ من العمر 56 عاماً، يشارك في اتخاذ القرارات الاستراتيجية المتعلقة بالحرب والمفاوضات مع الولايات المتحدة، لكنه لا يظهر بشكل مباشر، ويكتفي بالمشاركة عبر مؤتمرات صوتية مغلقة مع كبار المسؤولين.
ويثير هذا النمط من الإدارة تساؤلات واسعة داخل الأوساط السياسية الدولية حول طبيعة مركز القرار في إيران، خاصة في ظل الحرب المتصاعدة والانقسامات الداخلية والتطورات الأمنية المعقدة.
ومنذ الغارة الجوية التي أعقبت توليه منصب المرشد خلفاً لوالده، لم تنشر أي صور أو تسجيلات صوتية أو مرئية لمجتبى خامنئي، ما يعمّق حالة الغموض حول وضعه الصحي ومكان إقامته.
وتشير تقارير إلى أنه أصيب في اليوم الأول من الحرب التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل، والتي أسفرت أيضاً عن مقتل عدد من أفراد عائلته، بينهم زوجته وصهره وأقارب آخرون، ما يضيف بعداً إنسانياً مأساوياً للأزمة السياسية المتصاعدة.
فقدان إحدى الساقين
وفي سياق متصل، نقل مصدر مطلع على تقييمات استخباراتية أميركية أن هناك اعتقاداً بأن مجتبى خامنئي ربما فقد إحدى ساقيه، بينما لم تؤكد وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية هذه المعلومات، كما التزمت إسرائيل الصمت حيالها.
كما صرح مسؤولون أميركيون سابقاً بأن إصاباته قد تكون شديدة إلى حد التأثير على مظهره الجسدي، وهو ما يتماشى مع روايات غير رسمية داخل طهران.
ويرى خبراء في الشأن الإيراني أن حالة مجتبى خامنئي الصحية قد تعيق قدرته على ممارسة سلطة مطلقة داخل النظام السياسي، رغم النفوذ الذي اكتسبه عبر سنوات طويلة داخل مكتب والده.
ويشير محللون إلى أن «الحرس الثوري» أصبح لاعباً محورياً في صناعة القرار، بل وربما الطرف الأكثر تأثيراً في إدارة المرحلة الحالية، في ظل غياب قيادة مرئية وحاسمة.
ويقول أليكس فاتانكا، الباحث في معهد الشرق الأوسط، إن مجتبى قد لا يتمكن من إعادة إنتاج نموذج السلطة الذي بناه والده على مدار عقود، مضيفاً أنه «سيكون صوتاً داخل النظام، لكنه لن يكون الصوت الحاسم».
«الحرس الثوري» يملأ الفراغ السياسي
وتؤكد مصادر إيرانية أن «الحرس الثوري» لعب دوراً محورياً في تسهيل انتقال السلطة بعد مقتل المرشد السابق، ويبدو أنه بات يمتلك نفوذاً واسعاً في القرارات الاستراتيجية، خاصة خلال الحرب.
ويعكس هذا التحول تغيراً بنيوياً في مركز القوة داخل الدولة الإيرانية، حيث لم يعد المرشد وحده هو صاحب القرار النهائي، بل باتت المؤسسة العسكرية والأمنية شريكاً أساسياً وربما مهيمنًا في بعض الملفات.
ومنذ توليه المنصب، لم يظهر مجتبى خامنئي علناً، واكتفى بإصدار بيانات مكتوبة قصيرة، من بينها رسالة في 12 مارس دعا فيها إلى تشديد الموقف الإقليمي، وأخرى بمناسبة رأس السنة الفارسية وصف فيها المرحلة بأنها «سنة المقاومة».
كما تولى مسؤولون حكوميون تفسير مواقف الدولة في القضايا الخارجية، ما يعكس غياب القيادة المباشرة عن المشهد الإعلامي والسياسي.
سخرية على وسائل التواصل
وداخل إيران، أثار الغياب المستمر للمرشد الجديد موجة واسعة من التساؤلات على وسائل التواصل الاجتماعي، وصلت إلى تداول صور ساخرة تتساءل: «أين مجتبى؟»، في إشارة إلى اختفائه عن المشهد العام.
وفي المقابل، يدافع بعض المؤيدين عن هذا الغياب، معتبرين أنه إجراء أمني ضروري في ظل التهديدات المستمرة والضربات الجوية التي استهدفت قيادات إيرانية بارزة خلال الحرب.
وفي ظل هذا المشهد المعقد، تبقى أسئلة عديدة بلا إجابة: هل يستطيع مجتبى خامنئي ترسيخ سلطته كمرشد فعلي للدولة؟ أم أن إيران تتجه نحو مرحلة قيادة جماعية تتصدرها المؤسسة العسكرية؟
وبين روايات الغموض والتكتم الرسمي، تبدو طهران أمام اختبار سياسي غير مسبوق قد يعيد رسم خريطة السلطة داخل الجمهورية الإسلامية خلال المرحلة المقبلة.




