إقدام الجيش الإسرائيلي على إلغاء عشرات الآلاف من الإعفاءات الممنوحة لجنود الاحتياط يكشف عن مأزق بنيوي عميق يعيشه الكيان منذ اندلاع الحرب الأخيرة. فعملية “عربات جدعون 2″، التي يتوقع استمرارها حتى عام 2026، استنزفت القدرات البشرية على نحو غير مسبوق، وأعادت تسليط الضوء على الخلل المزمن في توزيع الأعباء العسكرية داخل المجتمع الإسرائيلي.
إعادة التجنيد
المعطيات الرقمية تشير إلى أن الجيش ضاعف تقريبًا عدد إشعارات إلغاء الإعفاء في الأشهر الأخيرة، لتقفز من 15 ألفًا إلى 27 ألفًا، مع استجابة نحو 57% من المُستدعين للنداء. هذه الأرقام تكشف أن المؤسسة العسكرية باتت مضطرة إلى إعادة تجنيد من سبق أن سرّحتهم بنفسها، الأمر الذي يعكس شدة النقص في القوى البشرية، لا سيما في الوحدات القتالية الأساسية مثل المشاة والمدرعات والهندسة.
المتوسط العمري للمستدعين الجدد، الذي يبلغ 32.5 عامًا، يعكس أيضًا حقيقة أن إسرائيل لم تعد قادرة على الاعتماد فقط على جيل الشباب، وأنها تُعيد تدوير عناصر أكبر سنًا كان يُفترض أن يبقوا خارج الخدمة. هذا القرار يطرح تحديات عملياتية ومعنوية، فهؤلاء الجنود قد يفتقرون إلى اللياقة البدنية أو الاستعداد النفسي الكامل لخوض حرب استنزاف طويلة الأمد.
طول أمد الحرب
في المقابل، تواصل الحكومة والجيش غض الطرف عن مسألة أكثر حساسية، وهي إعفاء نحو 80 ألف طالب من اليهود المتدينين من الخدمة العسكرية، وهو ما يثير جدلًا متزايدًا داخل المجتمع الإسرائيلي. فبينما يُستدعى آلاف الجنود السابقين قسرًا ويُعاد توزيعهم في وحدات قتالية خطرة، تبقى فئة كاملة محمية بغطاء سياسي وديني، الأمر الذي يفاقم الانقسام الداخلي ويعمّق الشعور بانعدام العدالة.
الطعنات القانونية التي قدمها نحو 40% من المستدعين، ورُفض أغلبها، تكشف بدورها عن حالة التذمر والرفض المتنامية تجاه سياسات الحكومة والجيش. هذه الطعون، وإن بدت فردية، تعكس اتجاهًا عامًا قد يتصاعد مع طول أمد الحرب وازدياد الخسائر البشرية.
تفجير داخلي يُهدد تماسك الجيش
من الناحية الإستراتيجية، تكشف إعادة توزيع آلاف الجنود في وحدات متعددة – من المشاة إلى سلاح الجو والبحرية – أن الجيش الإسرائيلي يعاني من عجز متفاقم في كل الأفرع، وليس فقط في الوحدات البرية التي تتحمل العبء الأكبر في غزة. هذا العجز يعكس أن طول الحرب وضع المؤسسة العسكرية أمام خيارين كلاهما مر: إما مواجهة الانهيار في الجبهات القتالية أو تعميق الانقسامات الداخلية عبر سياسات التجنيد القسري.
يعكس إلغاء الإعفاءات وفشل معالجة ملف التجنيد المتدينين مأزقًا وجوديًا للجيش الإسرائيلي. فبينما يحاول قادة الاحتلال تصوير عملية “عربات جدعون 2” كحرب حاسمة ضد غزة، تكشف الأرقام عن أزمة داخلية تتعلق بالشرعية الاجتماعية والسياسية لتوزيع الدماء والتضحيات. وكلما طال أمد الحرب، كلما تحولت هذه القرارات إلى عامل تفجير داخلي يُهدد تماسك الجيش والمجتمع الإسرائيلي معًا.






