لأول مرة في التاريخ، تجاوز سعر الذهب 4000 دولار للأونصة في عام 2025، في قفزة وصفتها الأسواق بأنها “لحظة مفصلية” في تاريخ المعدن النفيس. هذا الارتفاع لم يكن مجرد رقم جديد في البورصات، بل علامة على تحول عالمي في نظرة المستثمرين والبنوك إلى الذهب بوصفه الملاذ الأكثر أمانًا في عالمٍ مضطرب.
اللافت أن الارتفاع لم يكن مؤقتًا، فأسعار الذهب حافظت على مستوياتها العالية لأشهر، مع توقعات من مؤسسات مالية كبرى بأن الأسعار قد تصل إلى 5000 دولار في العام المقبل.
لماذا يرتفع سعر الذهب بهذا الشكل؟
ثلاثة أسباب رئيسية تفسّر هذه الموجة التاريخية:
1. التضخم والديون والبحث عن الأمان
منذ جائحة كورونا، طبعت الحكومات كميات ضخمة من الأموال لإنقاذ اقتصاداتها. هذا التوسع في “السيولة” جعل قيمة النقود تتراجع تدريجيًا، بينما بقي الذهب محافظًا على قيمته.
ببساطة: عندما تنخفض قيمة العملة، يزداد الطلب على الذهب لأنه لا يتآكل مع الزمن.
في الوقت نفسه، ما تزال معدلات التضخم مرتفعة في أمريكا وأوروبا، رغم محاولات رفع الفائدة، ما يدفع المستثمرين إلى تحويل أموالهم من البنوك إلى الذهب.
2. التوترات الدولية
من الحرب في أوكرانيا إلى النزاعات في الشرق الأوسط وتوتر العلاقات بين أمريكا والصين، يعيش العالم مرحلة غير مستقرة. ومع كل أزمة جديدة، يتجه المستثمرون إلى ما يعتبرونه “الملاذ الآمن” — أي الذهب.
كل حدث سياسي أو عسكري اليوم ينعكس فورًا على الأسعار العالمية للمعدن الأصفر.
3. البنوك المركزية تدخل على الخط
المفارقة أن الجهات التي كانت سابقًا تبيع الذهب، أصبحت تشتريه الآن.
فالبنوك المركزية في الصين وروسيا والهند ودول أخرى باتت تشتري كميات ضخمة من الذهب لتقليل اعتمادها على الدولار.
وبحسب مجلس الذهب العالمي، فإن هذه البنوك اشترت في عام 2024 أكثر من 1000 طن من الذهب — وهي أكبر موجة شراء منذ نصف قرن.
وفي 2025، استمرت الوتيرة بنفس القوة تقريبًا، ما جعل السوق يعيش حالة “عطش للمعروض” ورفع الأسعار أكثر.
سعر الذهب في توقعات المؤسسات الكبرى
التوقعات الحالية من البنوك العالمية توحي بأن موجة الارتفاع ما زالت في بدايتها:
HSBC: يتوقع أن يصل الذهب إلى 4600 دولار في المتوسط خلال 2025، وربما يلامس 5000 دولار في 2026.
بنك أوف أميركا وجي بي مورغان يتوقعان استمرار الاتجاه الصاعد حتى 2028.
أما جولدمان ساكس فيرى أن الأسعار “قد تهدأ مؤقتًا” قبل أن تواصل الصعود إذا استمرت الاضطرابات في الأسواق العالمية.
من المستفيد ومن الخاسر؟
المستفيد الأكبر هم من اشتروا الذهب في السنوات الماضية، إذ تضاعفت أرباحهم بشكل غير مسبوق.
أما الخاسر، فهو كل من احتفظ بمدخراته نقدًا أو في حسابات مصرفية لا تتجاوز فوائدها 3%، بينما ارتفعت الأسعار بنسب أعلى بكثير.
لكن بعض المحللين يحذرون من المبالغة في التفاؤل، مؤكدين أن الذهب “لا يرتفع إلى الأبد”، وأن أي تهدئة اقتصادية أو انخفاض في التضخم قد يؤدي إلى تصحيح في الأسعار.
الذهب من جديد… معيار الثقة العالمية
في المشهد الاقتصادي الراهن، لم يعد الذهب مجرد وسيلة للادخار أو زينة للثروات، بل عاد إلى موقعه التاريخي كمحور لثقة العالم المالية. فكل أزمة تضرب الأسواق، وكل هزة جيوسياسية جديدة، تجعل البنوك المركزية والمستثمرين يعودون إلى المعدن الأصفر كملاذٍ نهائي.
لقد تحوّل الذهب في السنوات الأخيرة إلى مرآة تعكس هشاشة النظام المالي القائم على الديون والنقود الورقية. ومع تراجع الثقة في العملات التقليدية، وتزايد التوجه نحو الأصول الملموسة، يكتسب الذهب من جديد دوره كعملة عالمية غير معلنة، لكنها أكثر استقرارًا من أي عملة تصدرها دولة.
اليوم، لا يتعامل العالم مع الذهب كأصل استثماري فقط، بل كأداة لقياس الاستقرار ذاته. وكلما اشتدّ الغموض السياسي أو المالي، زاد بريقه بصفته المقياس الحقيقي لقوة الاقتصادات وضعفها.
وإذا استمر هذا الاتجاه، فقد نكون أمام تحوّل عميق يجعل من الذهب — لا الدولار أو اليورو — العملة الصامتة للعصر القادم.







