في خضم تصاعد التوترات البحرية في البحر الأحمر، أعلنت ميليشيا الحوثي إنقاذ عشرة بحارة من سفينة الشحن “إتيرنتي سي”، التي كانت قد تعرضت لهجوم مباشر وأغرقت مطلع الشهر الجاري، لتكون بذلك ثاني سفينة تغرق خلال أسابيع نتيجة للهجمات الحوثية. الإعلان الذي أُرفق بمقطع مصور يظهر البحارة وهم يتواصلون مع ذويهم، بدا أقرب إلى رسالة دعائية تسعى من خلالها الجماعة إلى تقديم نفسها كقوة “منظمة” تدير عملياتها وفق قواعد حربية وإنسانية، رغم أن أفعالها تندرج في إطار تهديد الملاحة الدولية وخرق القانون البحري.
تحول نوعي في الصراع الإقليمي
اللافت في هذا التطور ليس فقط تكرار الهجمات، بل الطريقة التي يحاول الحوثيون من خلالها إعادة صياغة السردية الإعلامية، عبر تسليط الضوء على “إنقاذ” الطاقم وإبراز شهادات تفيد بأن البحارة لم يكونوا على علم بالحظر الذي فرضته الجماعة على السفن المتجهة إلى الموانئ الإسرائيلية. هذه الشهادات، التي قد تكون قد انتُزعت في ظروف غير واضحة، تشي بمحاولة لتبرير الاستهداف المباشر لسفن مدنية، تحت غطاء “المقاومة” للمصالح الإسرائيلية، وهو ما يتناقض مع القانون الدولي الذي يميز بوضوح بين الأهداف العسكرية والمدنية.
وفي حين تظهر هذه الحوادث وكأنها امتداد طبيعي لتصعيد الحوثيين المستمر منذ بداية الحرب على غزة، فإنها في العمق تعبّر عن تحول نوعي في طبيعة الصراع الإقليمي، من خلال استخدام البحر الأحمر كساحة ضغط جيوسياسي. إذ تحاول الجماعة من خلال استهداف السفن، سواء تلك المرتبطة بشكل مباشر بإسرائيل أو مجرد متجهة إلى موانئها، فرض معادلة جديدة في ميزان الردع، قائمة على ربط أمن البحر الأحمر بسير الحرب في غزة، وهو أمر خطير يضع الملاحة الدولية برمتها تحت تهديد مباشر.
هشاشة المنظومة الأمنية في البحر الأحمر
إغراق السفينة “إتيرنتي سي”، وقبلها “ماجيك سي”، يحمل في طياته مؤشرات متزايدة على قدرة الحوثيين على تنفيذ عمليات معقّدة نسبياً باستخدام مزيج من الطائرات المسيّرة والصواريخ، مما يعزز فرضية تحولهم من ميليشيا محلية إلى فاعل إقليمي مزعزع للاستقرار يمتلك أدوات تأثير خارج حدود اليمن. والأكثر خطورة هو أن هذه العمليات لا تواجه حتى الآن ردعاً مباشراً وفعّالاً، وهو ما قد يشجع على مزيد من التوسع في نطاق الهجمات.
في خلفية المشهد، هناك تواطؤ دولي بالصمت، أو عجز عن احتواء التهديد المتصاعد، ما يعكس هشاشة المنظومة الأمنية في البحر الأحمر، أحد أهم شرايين التجارة والطاقة في العالم. وإذا استمرت هذه الهجمات دون رد رادع، فإنها قد تدفع شركات الشحن الكبرى إلى إعادة رسم خرائط النقل البحري، مع ما يعنيه ذلك من تبعات اقتصادية عالمية خطيرة.
في المحصلة، الإعلان الحوثي عن “إنقاذ” البحارة لا يغيّر من جوهر الواقع شيئاً: الجماعة تستثمر في الفوضى وتستخدمها ورقة ضغط في مفاوضات غير معلنة، وتحاول إعطاء غطاء أخلاقي لهجمات تخالف الأعراف الإنسانية. وبدلاً من أن يكون إنقاذ الطاقم فعلاً إنسانياً خالصاً، بات أداة ترويجية في معركة الهيمنة الإعلامية والسياسية التي يخوضها الحوثيون على مستوى إقليمي ودولي.







