تُعد ممارسات مليشيا الحوثي، بحق المجتمع اليمني، أحد أبرز العوامل التي أسهمت في تفاقم حالة اللااستقرار، وتدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والنفسية داخل المناطق الخاضعة لسيطرتها. فمع كل حادثة جديدة، تتكشف ملامح منظومة قمعية متكاملة، تُدار بمنطق الجباية والإكراه وفرض السطوة، دون أي اعتبار لحقوق المواطنين أو كرامتهم الإنسانية.
استغلال مأساة إنسانية في فرض غرامة باهظة
وتأتي واقعة احتجاز جثمان المواطن إسماعيل شمسان عبادي صالح الحداد، الذي تُوفِّي صبيحة يوم زفافه، لتُجسد نموذجاً صارخاً لهذا السلوك المنهجي، إذ لم تكتفِ المليشيا بابتزاز أسرته المنكوبة، بل حولت مأساة إنسانية إلى فرصة لفرض غرامة مالية باهظة تحت مسمى «تكاليف التحقيق والحملة الأمنية». ويكشف هذا الحدث، بقدرته الرمزية، عن طبيعة الممارسات التي تُعمّق انهيار الثقة بين المجتمع والسلطة القائمة بقوة السلاح.
فاحتجاز جثمان المتوفى واشتراط مبلغ نصف مليون ريال للإفراج عنه، ليس مجرد انتهاك أخلاقي وقانوني، بل هو فعل سياسي يعكس أسلوب حكم قائم على استخدام أدوات الدولة كوسيلة للابتزاز. إذ تُظهر هذه الواقعة كيفية تعامل المليشيا مع المواطنين باعتبارهم مصادر دخل يجب الضغط عليهم في كل ظرف، حتى في لحظات الألم والفقد.
كما تبرز حالة إسماعيل الحداد مدى تفاقم الأوضاع الاقتصادية التي تسببت فيها سياسات الحوثيين، حيث تشير التحقيقات نفسها إلى أن الشاب أنهى حياته نتيجة تراكم الديون التي تكبّدها من أجل إتمام مراسم زفافه، وهي ديون ناتجة عن واقع اقتصادي خانق يعيشه ملايين اليمنيين، بتأثير مباشر من إدارة الحوثيين للمناطق الخاضعة لهم، من خلال سياسات الجباية المستمرة وإغلاق سبل الرزق.
فرض إتاوات غير قانونية
إن هذه الحادثة ليست معزولة عن سياق أوسع، إذ تُوثّق تقارير محلية ودولية تصاعد الانتهاكات التي يتعرض لها السكان في مناطق سيطرة المليشيا، من اعتقالات تعسفية، واختفاء قسري، ونهب للممتلكات، وتجريف لرواتب الموظفين، وفرض إتاوات غير قانونية على التجار والمواطنين، إضافة إلى ممارسات قمعية تطال الحريات الشخصية والعامة. وتعمل هذه الانتهاكات على خلق بيئة مشبعة بالخوف والقلق، تؤدي إلى تمزيق النسيج الاجتماعي وتعميق حالة اللااستقرار التي لم تعرف اليمن مثيلاً لها منذ عقود.
وتنعكس سياسات الجباية الحوثية بشكل واضح على الاقتصاد المحلي، إذ تعتمد المليشيا على فرض الرسوم والإتاوات على مختلف القطاعات الإنتاجية والخدمية، بما في ذلك المستشفيات والمدارس والأسواق والمؤسسات الصغيرة. وقد أدى هذا إلى انكماش النشاط الاقتصادي، وزيادة معدلات الفقر، وتراجع القدرة الشرائية لدى المواطنين، بل وإلى تعطيل القطاعات الحيوية التي كانت تشكل مصادر دخل مستقرة للعديد من الأسر. وفي ظل غياب المؤسسات الرسمية القادرة على ضبط حركة الأموال أو حماية حقوق الناس، أصبحت المليشيا هي الجهة الوحيدة التي تتحكم بمسارات الموارد بطريقة تخدم مشروعها السياسي والعسكري فقط.
تأثير الخطاب الطائفي والتحريضي
كما تسببت ممارسات الحوثيين في تدهور عميق في البنية الاجتماعية والنفسية للمجتمع اليمني. فبحسب شهادات متعددة، يعاني السكان من ضغوط نفسية غير مسبوقة بسبب المداهمات الأمنية، وتجنيد الأطفال، وفرض القيود على حرية التنقل، وابتزاز الأسر في قضايا تتعلق بأبنائها المحتجزين. وتُعدّ عمليات التجنيد الإجباري أحد أخطر الجرائم التي تمارسها المليشيا بحق المجتمع، إذ يتم استهداف الأطفال والشباب في المدارس والمساجد، وتحويلهم إلى وقود للحرب، مما يؤدي إلى ارتفاع مستويات الفقد، وتفكك الأسرة، وغياب الأمن الاجتماعي.
ويُضاف إلى ذلك تأثير الخطاب الطائفي والتحريضي الذي تعتمده المليشيا كأداة للسيطرة. فمن خلال تحويل الدين إلى أداة سلطة، نجحت المليشيا في خلق بيئة فكرية قائمة على الكراهية وتقسيم المجتمع. وهذا الخطاب لا يكتفي بتشويه الوعي العام، بل يساهم في إعادة تشكيل الهوية الاجتماعية بطريقة تُقلص من مساحة المواطنة لصالح الولاءات الضيقة. ويؤدي هذا بطبيعة الحال إلى تآكل الروابط الوطنية، وتحويل النزاع إلى صراع طويل الأمد يتغذى على الانقسامات الداخلية.
غياب دولة القانون
ويُعدّ الاقتصاد النفسي للمجتمع أحد أكثر الجوانب تأثراً. فالمواطن الذي يفقد الثقة في السلطة، ويشعر بأنه مهدد في كل لحظة، يصبح عاجزاً عن الإنتاج أو التخطيط للمستقبل. وتبرز هنا حادثة إسماعيل الحداد كأحد تجليات هذا الانهيار النفسي؛ فقد وجد الشاب نفسه عاجزاً عن مواجهة تكاليف الحياة والزواج في ظل ظروف اقتصادية قاسية. لكن الأسوأ من ذلك هو أن السلطات الحوثية التي كان يفترض أن تتعامل مع الحادثة بروح المسؤولية، اختارت استغلالها لتحقيق مكاسب مالية، مما يرسل رسالة مدمرة للمجتمع بأن حياة الإنسان وكرامته لا قيمة لهما أمام منطق الجباية.
هذه البيئة المتوترة أنتجت بطبيعة الحال حالة من اللااستقرار السياسي. فغياب دولة القانون، واستبدالها بسلطة مليشياوية، يؤدي إلى انهيار النظام الاجتماعي وتحول الصراع من صراع سياسي إلى صراع وجودي. إذ يسعى المواطنون فقط إلى النجاة في بيئة تهيمن عليها الفوضى، بينما تتعامل المليشيا مع السلطة بوصفها وسيلة لفرض هيمنتها واستدامة نفوذها، دون أي رؤية حقيقية للإدارة أو التنمية. ويمثل هذا النمط من الحكم واحدة من أخطر صور الحكم غير الرسمي، حيث تتحول مؤسسات الدولة إلى أدوات تستخدمها جماعة مسلحة لقمع المواطنين وتمويل عملياتها.
ومن زاوية الأثر الأوسع، تُسهم ممارسات الحوثيين في تعطيل عملية السلام وتقويض أي جهود لإعادة بناء الدولة اليمنية. فحين تتعمق المظالم في المجتمع، ويزداد شعور الناس بالظلم، يصبح من الصعب تحقيق مصالحة حقيقية أو بناء عقد اجتماعي جديد. كما أن استمرار جرائم الحوثيين يُغذي مشاعر الغضب والرغبة في الانتقام، مما يجعل البيئة مهيأة لمواجهات مستقبلية حتى في حال توقف الحرب العسكرية. ومن هنا، فإن وقف الانتهاكات وحماية المدنيين يجب أن يكون جزءاً أساسياً من أي مسار سياسي مقبل.
تمزق اجتماعي وانهيار اقتصادي
ولا يمكن تجاهل التأثير الإقليمي والدولي لحالة اللااستقرار اليمنية؛ فاليمن بلد ذو موقع استراتيجي، وأي اضطراب داخلي فيه ينعكس على الملاحة البحرية، واستقرار المنطقة، وكذلك على حركة التجارة العالمية. كما أن استمرار أزمة الحكم المليشياوي يرفع من احتمالات انتشار الجماعات المتطرفة، ويؤدي إلى تدهور الوضع الإنساني، مما يزيد من الحاجة إلى تدخلات دولية مكلفة، في وقت يواجه فيه العالم تحديات أمنية واقتصادية متزايدة.
في المحصلة، تمثل جرائم مليشيا الحوثي تجاه المجتمع اليمني عاملاً حاسماً في تفاقم حالة اللااستقرار في البلاد. والحدث الأخير المتمثل في احتجاز جثمان الشاب إسماعيل الحداد مقابل مبلغ مالي باهظ ليس سوى جزء صغير من منظومة أوسع من الانتهاكات التي تمارسها المليشيا بحق الشعب.
إن استمرار هذا السلوك سيؤدي إلى مزيد من التمزق الاجتماعي، والانهيار الاقتصادي، وتصلب المواقف السياسية، ما يجعل من استعادة الاستقرار عملية طويلة ومعقدة. ويُظهر الواقع أن المجتمع اليمني يعيش اليوم بين مطرقة القمع الحوثي وسندان الأزمات المعيشية، في ظل غياب أي أفق واضح لإنهاء المعاناة دون تدخل سياسي جاد يعالج جذور الأزمة ويعيد للدولة دورها الطبيعي في حماية مواطنيها.







