أفادت مصادر سورية رفيعة المستوى بأن دمشق وتل أبيب على وشك توقيع اتفاق أمني برعاية مباشرة من الولايات المتحدة في الخامس والعشرين من سبتمبر (أيلول) المقبل. وبحسب هذه المصادر، فإن الاتفاق سيقتصر على ترتيبات أمنية محدودة تهدف إلى خفض التوترات، من دون أن يصل إلى مستوى اتفاق سلام شامل بين الجانبين، الأمر الذي يعكس استمرار الفجوة العميقة في المواقف السياسية بين سوريا وإسرائيل.
الخطوة تأتي قبل يوم واحد فقط من خطاب مرتقب للرئيس السوري أحمد الشرع أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، حيث من المتوقع أن يضع هذا الملف في سياق أوسع يتعلق بمستقبل سوريا بعد الحرب، ومحاولات إقناع المجتمع الدولي بأن دمشق تتجه نحو مسار أكثر براغماتية، بعيداً عن منطق المواجهة المطلقة.
المحادثات بين الجانبين لم تبدأ اليوم، فقد سبقتها جولات غير معلنة في باريس خلال يوليو الماضي، جمعت وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني بنظيره الإسرائيلي للشؤون الاستراتيجية رون ديرمر، بمشاركة أميركية، لكن هذه الجولات لم تفضِ إلى اتفاق نهائي. وتفيد مصادر مطلعة بأن اللقاء الأخير في باريس ناقش ترتيبات دقيقة تخص الجنوب السوري، بما في ذلك مراقبة وقف إطلاق النار في السويداء، وعدم تدخل إسرائيل في الشأن الداخلي السوري، فضلاً عن إعادة تفعيل اتفاق فض الاشتباك لعام 1974 الذي نصّ على إقامة منطقة عازلة في الجولان تحت إشراف قوات الأمم المتحدة.
الوكالة السورية الرسمية (سانا) أقرت بوجود اجتماع للشيباني مع وفد إسرائيلي، لكنها لم تسمّ ديرمر بشكل مباشر، واكتفت بالقول إن النقاشات ركزت على قضايا “خفض التصعيد ودعم الاستقرار”. هذا التباين في الروايات يعكس حساسية الملف بالنسبة للنظام السوري، الذي لا يزال يسعى إلى الظهور بمظهر الرافض للتطبيع السياسي الكامل، مع إبقاء باب التفاهمات الأمنية مفتوحاً.
التحليل السياسي لهذا التطور يكشف عن معادلة معقدة: من جهة، تسعى دمشق إلى كسب الوقت وتثبيت مواقعها بعد سنوات من الحرب المدمرة، خصوصاً في ظل الانهاك الاقتصادي والانقسامات الداخلية. ومن جهة أخرى، ترى إسرائيل أن أي فراغ في الجنوب قد تستغله إيران أو حلفاؤها، وهو ما يدفعها إلى القبول بترتيبات مؤقتة مع النظام السوري، حتى لو لم تصل إلى اتفاق سلام شامل. الولايات المتحدة، بدورها، تجد في هذه الوساطة فرصة لتقليل نفوذ طهران في سوريا، ولضبط التوازنات الإقليمية في لحظة حساسة.
الرئيس السوري أحمد الشرع أشار في تصريحات علنية أخيرة إلى أن “توحيد سوريا يجب ألا يكون بالدماء والقوة العسكرية”، في ما بدا رسالة مزدوجة إلى الداخل والخارج: الأولى لطمأنة السوريين المنهكين بأن مرحلة الحرب الشاملة قد انتهت، والثانية للقول إن النظام مستعد لتفاهمات سياسية وأمنية تضمن استقراره. لكنه لم يتردد في اتهام إسرائيل بالتدخل في الجنوب، خصوصاً في ما يتعلق بمطالب بعض الدروز في السويداء بالتدخل لصالحهم، معتبراً أن هذه المطالب “مستحيلة التطبيق”.
في المحصلة، الاتفاق الأمني المزمع، إن تم فعلاً، سيكون بمثابة هدنة جزئية أكثر من كونه تحوّلاً استراتيجياً، لكنه يفتح نافذة على مرحلة جديدة في علاقة دمشق بتل أبيب، حيث يصبح الاستقرار الأمني مؤقتاً شرطاً لبقاء النظام، فيما تحتفظ إسرائيل بحقها في الضغط ومنع أي تمدد إيراني. وبينما قد يُسوَّق الاتفاق في المحافل الدولية كخطوة نحو “خفض التصعيد”، فإنه يظل خطوة اضطرارية لا تعبّر بالضرورة عن نية جدية للتطبيع أو التسوية الشاملة، بقدر ما تعكس حاجة الأطراف الثلاثة (دمشق، تل أبيب، وواشنطن) إلى إدارة مرحلة انتقالية شديدة التعقيد.







