تكشف التصريحات الأخيرة لرئيس أركان جيش الاحتلال الإسرائيلي إيال زامير، كما نقلتها القناة 12 وصحيفة يديعوت أحرونوت، عن أزمة عميقة تضرب البنية الاستراتيجية والسياسية في إسرائيل تجاه قطاع غزة. فرغم الحشد العسكري الهائل والتدمير الواسع الذي طال المدينة، يعترف زامير بأن “احتلال مدينة غزة” – حتى إن تحقق – لن يؤدي إلى هزيمة حركة حماس، وهو اعتراف استثنائي ينسف جزءاً كبيراً من الخطاب الرسمي الذي يبرر استمرار الحرب.
حرب استنزاف مفتوحة
تقدير الجيش بأن السيطرة على غزة قد تستغرق ستة أشهر على الأقل، وأن عملية “التطهير” اللاحقة ستحتاج وقتاً أطول، يعكس فهماً بأن المعركة ليست قصيرة الأمد، بل حرب استنزاف مفتوحة. لكن الأخطر هو غياب الرؤية السياسية لما بعد العمليات العسكرية؛ إذ يشير زامير نفسه إلى حالة من الضبابية و”التوسل” لفهم ما الذي يريده المستوى السياسي من استمرار المعارك. هذا يكشف عن فجوة خطيرة بين القيادة السياسية التي يقف على رأسها نتنياهو وسموتريتش، وبين المؤسسة العسكرية التي تجد نفسها تُحاسب على فشل أهداف غير واضحة.
في خلفية هذه التصريحات، تتبدى هواجس متعددة: أولها، فشل إسرائيل في إخراج “سيناريو اليوم التالي” من خانة المجهول، وهو ما يزيد من حالة الارتباك الداخلي. ثانيها، الخشية من أن تؤدي أي عملية ميدانية إلى إعدام أسرى إسرائيليين لدى حماس، الأمر الذي قد يفجر أزمة سياسية داخلية تهدد الحكومة أكثر مما تهدد الحركة ذاتها. وثالثها، الإقرار الضمني بأن الإنجازات العسكرية – مهما بدت كبيرة على الأرض – ستتآكل مع مرور الوقت، لتعيد إسرائيل إلى نقطة الصفر التي وصلت إليها في كل جولات الحرب السابقة على غزة.
مأزق استراتيجي
المشهد برمته يضع إسرائيل أمام مأزق استراتيجي: فالتفوق العسكري لم يعد كافياً لحسم الصراع، فيما العجز السياسي عن بلورة رؤية واضحة يجعل الاحتلال محاصراً بين معضلة “الاستمرار بلا أفق” و”الانسحاب بلا إنجاز”. ومع استمرار التدمير والقتل، يزداد الضغط الدولي والعربي، ويتفاقم الغضب الشعبي الداخلي، بينما تبقى حماس حاضرة كفاعل سياسي وعسكري يصعب تجاوزه أو استئصاله.
هكذا، يقدّم كلام زامير صورة لدولة تمتلك القوة لكنها تفتقد البوصلة، وتخوض حرباً طويلة تدرك مسبقاً أن نهايتها لن تحقق الانتصار الذي وعدت به قيادتها السياسية.







