يرى الكاتب عمرو حمزاوي أن الاتحاد الأوروبي يواجه اليوم أحد أكثر اختباراته السياسية والاستراتيجية تعقيداً منذ نهاية الحرب الباردة، يتمثل في كيفية التعاطي مع آفاق التسوية التفاوضية للحرب في أوكرانيا. فبعد دخول الحرب عامها الثالث، لم تعد مجرد صراع عسكري على الأراضي الأوكرانية، بل تحولت إلى مواجهة مفتوحة حول شكل النظام الأوروبي ومستقبل الأمن في القارة، ومكانة أوروبا في توازنات القوة الدولية.
ويشير حمزاوي إلى أنه رغم إعلان الاتحاد الأوروبي رسمياً دعمه لأي تسوية عادلة تقوم على احترام سيادة أوكرانيا ووحدة أراضيها، فإن الواقع يكشف عن شبكة معقدة من التحديات البنيوية والسياسية والاستراتيجية التي تحدّ من قدرته على لعب دور فاعل وحاسم في مسار التفاوض.
ويتمثل التحدي الأول، بحسب الكاتب، في غياب الوحدة السياسية الكاملة داخل الاتحاد. فالدول الأعضاء، على الرغم من اتفاقها الظاهري على دعم أوكرانيا، تختلف بعمق في تقييم طبيعة الصراع وحدوده وأهدافه النهائية. إذ تنظر دول أوروبا الشرقية والبلطيق إلى الحرب باعتبارها معركة وجودية مع روسيا، وترى أن أي تسوية لا تنتهي بهزيمة استراتيجية واضحة لموسكو تمثل تهديداً مباشراً لأمنها القومي.
في المقابل، تميل دول أخرى، خاصة في جنوب وغرب أوروبا، إلى مقاربة أكثر حذراً، تركّز على الكلفة الاقتصادية والاجتماعية للحرب، وعلى أهمية فتح قنوات دبلوماسية لتفادي صراع طويل الأمد يستنزف الجميع. ويؤكد حمزاوي أن هذا التباين يضعف قدرة الاتحاد الأوروبي على بلورة موقف تفاوضي موحّد، ويجعل حديثه عن التسوية أقرب إلى خطاب عام منه إلى استراتيجية عملية.
أما التحدي الثاني، فيرتبط بالتبعية الأمنية والعسكرية للولايات المتحدة. فمنذ اندلاع الحرب، لعبت واشنطن الدور القيادي في دعم أوكرانيا عسكرياً واستخبارياً، في حين بقي الاتحاد الأوروبي، رغم مساهماته المالية الكبيرة، عاجزاً عن العمل كفاعل أمني مستقل. ويطرح هذا الواقع، وفق حمزاوي، سؤالاً أساسياً حول ما إذا كان الاتحاد يمتلك هامشاً حقيقياً للتحرك الدبلوماسي بعيداً عن الحسابات الأمريكية، أم أن دوره سيظل مرتبطاً بإيقاع السياسات الأمريكية، سواء اتجهت نحو التصعيد أو نحو التفاوض.
ويشير الكاتب إلى أن غياب استقلالية أوروبية حقيقية في مجال الأمن والدفاع يجعل الاتحاد طرفاً تابعاً أكثر منه وسيطاً قادراً على التأثير في شروط أي تسوية محتملة.
التحدي الثالث يتمثل، بحسب حمزاوي، في الغموض الاستراتيجي حول أهداف التسوية نفسها. فلا يوجد داخل المؤسسات الأوروبية توافق واضح حول معنى «تسوية مقبولة»: هل هي عودة كاملة إلى حدود ما قبل عام 2014؟ أم تجميد للصراع على خطوط تماس جديدة؟ أم صيغة وسطية تتضمن ترتيبات أمنية خاصة وضمانات دولية طويلة الأمد؟ هذا الغموض، كما يرى، ينعكس سلباً على الخطاب الأوروبي، الذي يطالب روسيا بالانسحاب واحترام القانون الدولي، من دون تقديم تصور سياسي واقعي لكيفية الانتقال من الحرب إلى السلام.
ويضيف حمزاوي أن التحدي الرابع يرتبط بالضغوط الاقتصادية والاجتماعية داخل الدول الأوروبية. فالعقوبات المفروضة على روسيا، وارتفاع أسعار الطاقة، وتباطؤ النمو الاقتصادي، كلها عوامل أثرت بعمق على المجتمعات الأوروبية. ومع مرور الوقت، بدأت تظهر أصوات سياسية وشعبوية تشكك في جدوى الاستمرار في دعم أوكرانيا «مهما كلف الأمر»، وتطالب بإعطاء الأولوية للأوضاع الداخلية.
أما التحدي الخامس، فيتعلق بتعقيدات العلاقة مع روسيا نفسها. فالاتحاد الأوروبي لم يعد يتعامل مع موسكو كشريك محتمل، بل كخصم استراتيجي يهدد النظام الأوروبي القائم. هذا التحول، بحسب الكاتب، يجعل فكرة التفاوض مع روسيا شديدة الحساسية سياسياً وأخلاقياً، ويحدّ من مرونة الاتحاد في التفكير في حلول وسط، رغم أن أي تسوية واقعية ستتطلب تنازلات متبادلة.
ولا يغفل حمزاوي الإشارة إلى موقع أوكرانيا نفسها في عملية التفاوض. فرغم تأكيد الاتحاد الأوروبي أن أي تسوية يجب أن تتم بموافقة كييف، فإن هذا الموقف يطرح إشكالية عملية تتعلق بمدى قدرة الاتحاد على التأثير في الخيارات التفاوضية الأوكرانية، خاصة إذا اضطرت القيادة الأوكرانية، تحت ضغط الواقع العسكري أو التحولات الدولية، إلى القبول بشروط لا تحظى بإجماع أوروبي.
كما يتطرق الكاتب إلى تحدٍ إضافي يتمثل في التحولات الأوسع في النظام الدولي، حيث لم تعد الحرب في أوكرانيا صراعاً أوروبياً–روسياً فقط، بل باتت جزءاً من تنافس عالمي يشمل الصين ودول الجنوب العالمي، التي ينظر كثير منها إلى الموقف الأوروبي بوصفه انتقائياً في الالتزام بالقانون الدولي، ما يضعف قدرة الاتحاد على حشد دعم دولي واسع لأي مبادرة تفاوضية.
وفي ضوء هذه التحديات المتشابكة، يخلص حمزاوي إلى أن الاتحاد الأوروبي يقف عند مفترق طرق حقيقي: إما أن يظل أسير ردود الفعل، مكتفياً بدعم عسكري واقتصادي طويل الأمد من دون استراتيجية سياسية واضحة، أو أن يبدأ في بلورة رؤية أكثر واقعية للتسوية، تعترف بتوازنات القوة من دون التخلي عن المبادئ الأساسية للقانون الدولي.
ويختم الكاتب بالقول إن هذه التحديات لا تعكس فقط صعوبة إنهاء حرب معقدة، بل تكشف أيضاً عن أزمة أعمق تتعلق بطبيعة الاتحاد الأوروبي نفسه، والسؤال عما إذا كان فاعلاً استراتيجياً قادراً على صياغة السلام في قارته، أم مجرد تجمع دولي يتأثر بقرارات الآخرين.







