كشف موقع “أكسيوس” الإخباري الأميركي، يوم الثلاثاء، عن اجتماع مرتقب يُعقد يوم الخميس بين مسؤولين كبار من سوريا وإسرائيل، برعاية المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا توم براك. ووفقًا للمصادر التي نقل عنها الموقع دون الكشف عن هويتها، فإن اللقاء المرتقب يُتوقع أن يركّز على الترتيبات الأمنية في جنوب سوريا وزيادة التنسيق بين الأطراف المعنية.
ورغم الغموض الذي يحيط بمكان الاجتماع وهوية الحاضرين من الجانب السوري، فإن مجرد طرح هكذا لقاء، بوساطة أميركية، يكشف عن ملامح جديدة في المقاربة الغربية للملف السوري: اختبار مرونة النظام في مسائل ترتبط مباشرة بأمن إسرائيل، مقابل إشارات رمزية على تخفيف العزلة السياسية المفروضة عليه منذ سنوات.
بين الشرعية المأزومة والأمن الإسرائيلي
المقاربة الأميركية المستجدة في الجنوب السوري لا تبدو منفصلة عن الحسابات الكبرى لإعادة ترتيب النفوذ في الشرق الأوسط، خصوصًا مع تنامي الهواجس الإسرائيلية من النفوذ الإيراني قرب حدود الجولان. ومن هذا المنطلق، يظهر أن واشنطن تعيد صياغة “مقايضة مؤجلة”: منح النظام السوري نافذة ضيقة نحو إعادة التموضع، مقابل التزامات واضحة تتعلق بأمن إسرائيل، خاصة في المناطق الحدودية.
لكن هذا المسار، وإن بدا جذابًا من منظور الترتيبات الأمنية، يصطدم بمشكلة أكثر تعقيدًا تتعلق بـ”اختبار الشرعية”. فقبول النظام السوري بهذه التفاهمات، تحت رعاية أميركية–إسرائيلية، قد يُنظر إليه داخليًا وخارجيًا كتنازل سياسي يمس جوهر الخطاب الرسمي السوري الذي ما زال يرفع شعار “الممانعة”.
الجولان… العقبة الكبرى أمام أي تطبيع
كل محاولة لفتح باب التطبيع بين سوريا وإسرائيل تصطدم تلقائيًا بعائق مزمن: هضبة الجولان المحتلة. النظام السوري، وعلى مدار العقود الماضية، لم يغيّر من موقفه باعتبار الجولان أرضًا سورية محتلة، غير قابلة للتفاوض أو التنازل، بموجب القانون الدولي وقرارات مجلس الأمن، وعلى رأسها القرار 497.
في المقابل، تستند إسرائيل إلى قرار إدارة ترامب عام 2019 الذي اعترف رسميًا بسيادة تل أبيب على الجولان، وهو القرار الذي لم تتراجع عنه إدارة بايدن رغم خفض نبرة الخطاب. وهذا الواقع القانوني–السياسي يجعل من أي حوار مباشر بين الجانبين، خارج ترتيبات محدودة الأفق، أمرًا شبه مستحيل.
احتمالات التطبيع… سيناريو أقرب للضغط منه للتفاهم
في ضوء هذه المعطيات، يبقى الحديث عن تطبيع سوري–إسرائيلي في إطار استراتيجي شامل أمرًا بعيد الاحتمال. فالمؤشرات الحالية، بما فيها الاجتماع المرتقب، توحي بأن واشنطن تستخدم هذا المسار ليس كمشروع اتفاق، بل كأداة اختبار وضغط لقياس استعداد دمشق للتجاوب مع الترتيبات الأمنية التي تصب في مصلحة إسرائيل.
الأمر لا يتعلّق فقط بالجولان، بل أيضًا بالوجود الإيراني في جنوب سوريا، والقدرة السورية على كبح نشاط الميليشيات القريبة من الحدود. وهذا النوع من “التفاهمات الأمنية الضمنية” هو أقصى ما يمكن تصوّره، في ظل غياب أي نضج سياسي لاتفاقات من نمط “أبراهام” أو “كامب ديفيد”.
دمشق أمام امتحان معقّد: استعادة الحضور أم الحفاظ على المبادئ؟
يقف النظام السوري اليوم عند مفترق طرق دقيق. من جهة، تلوح فرصة لاستعادة جزء من شرعيته الدولية عبر الانخراط في ترتيبات أمنية ترعاها واشنطن. ومن جهة أخرى، فإن الإقدام على أي خطوة تُفهم كتقارب مع إسرائيل قد يُحدث تصدعات داخلية في بنيته الخطابية، ويفقده حلفاء تقليديين، كطهران أو حزب الله، الذين لا يرحبون بأي تقارب غير مشروط مع تل أبيب.
وبين هذه وتلك، يبقى الموقف السوري الرسمي محكومًا بموازنة بالغة الدقة، يحاول فيها الإفلات من الضغط من دون السقوط في فخ التطبيع الكامل، وهو فخ لن يكون بالإمكان التراجع عنه في حال حصل.






