إقرار وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس خطة السيطرة على مدينة غزة واستدعاء عشرات الآلاف من جنود الاحتياط، يمثل تصعيدًا عسكريًا وسياسيًا خطيرًا يفتح الباب أمام مواجهة طويلة ومعقدة. القرار يعكس قناعة إسرائيلية بأن المعركة في غزة لن تُحسم سريعًا، بل قد تستمر حتى عام 2026، وفق ما نقلته صحيفة هآرتس عن مسؤولين عسكريين كبار، ما يعني أن الجيش يستعد لحرب استنزاف طويلة الأمد، سواء من حيث القوة البشرية أو الموارد المالية.
إعادة رسم المشهد في غزة
استدعاء 60 ألف جندي احتياط، وربما ما يصل إلى 130 ألفًا وفق تقديرات الجيش، يكشف حجم العملية المقبلة ويشير إلى أن الهدف لا يقتصر على حملة محدودة، بل يذهب نحو إعادة رسم المشهد في غزة بالكامل. تصريحات كاتس بأن “وجه غزة سيتغير ولن تبدو كما كانت في الماضي” تؤكد أن الخطة تحمل أبعادًا سياسية تتجاوز الهدف العسكري المباشر، فهي تسعى إلى إعادة هندسة الواقع في القطاع سواء من حيث السيطرة الأمنية أو التغيير الديمغرافي عبر خطط إجلاء مليون مدني إلى جنوب غزة، كما أشارت صحيفة تايمز أوف إسرائيل.
هذا التوجه يعكس استراتيجية إسرائيلية مزدوجة: من جهة تكثيف العمليات العسكرية باستخدام تقنيات متطورة مثل المدفعية الدقيقة وصواريخ “هابر”، ومن جهة أخرى ممارسة ضغط نفسي وإنساني على الفلسطينيين لإجبار حركة حماس على الدخول في مفاوضات للإفراج عن المحتجزين. لكن هذه الاستراتيجية تحمل مخاطر كبيرة، فهي تعمّق المأساة الإنسانية لسكان غزة الذين يواجهون تهجيرًا قسريًا واسع النطاق، وتزيد من احتمالات تصاعد الغضب الإقليمي والدولي ضد إسرائيل.
ضغوط داخلية لاستعادة المحتجزين
من الناحية العملياتية، الحديث عن مشاركة خمس فرق عسكرية في الهجوم، إلى جانب “فرقة غزة”، يعكس حجم القوة المخصصة لهذه المعركة، ويكشف أن إسرائيل تراهن على الحسم عبر قوة ميدانية ضخمة. غير أن تجربة السنوات الماضية تظهر أن السيطرة على غزة ليست مجرد مسألة عسكرية، بل ترتبط بقدرة إسرائيل على إدارة تبعات الاحتلال، سواء عبر التعامل مع المقاومة المسلحة المستمرة أو مواجهة الضغوط السياسية والدبلوماسية.
في الوقت نفسه، يأتي هذا التصعيد بينما تبحث إسرائيل مقترح صفقة تبادل أسرى وافقت عليه حركة حماس. المفارقة أن الحكومة الإسرائيلية تسير في خطين متوازيين: التصعيد العسكري الهجومي واسع النطاق، والانفتاح على إمكانية التفاوض. هذا التناقض يعكس الصعوبة التي تواجهها القيادة الإسرائيلية بين تلبية الضغوط الداخلية لاستعادة المحتجزين، وتحقيق ما تعتبره هدفًا استراتيجيًا بإضعاف أو إنهاء سلطة حماس في غزة.
الثمن الإنساني والسياسي
على المدى الأبعد، أي عملية عسكرية طويلة الأمد في مدينة غزة ستفرض أعباء ثقيلة على الجيش الإسرائيلي والمجتمع ككل، خصوصًا مع استدعاء أعداد كبيرة من جنود الاحتياط وتمديد خدمتهم، ما يعني تعطيل قطاعات اقتصادية وتفاقم الضغوط على الموازنة العامة. وقد يؤدي هذا الوضع إلى استنزاف إسرائيلي داخلي، حتى وإن تمكن الجيش من تحقيق مكاسب ميدانية.
قرار السيطرة على غزة لا ينفصل عن سياق أوسع يتمثل في إعادة رسم معادلة القطاع بالكامل، لكن الثمن الإنساني والسياسي والاقتصادي لهذه الخطوة قد يكون أكبر بكثير مما تتوقعه المؤسسة العسكرية. فما بين حرب طويلة الأمد وتهجير واسع النطاق وخسائر محتملة على الصعيد الدولي، يبدو أن إسرائيل تدخل مرحلة محفوفة بالتحديات قد تعيد إنتاج الأزمة بدلًا من حسمها.







