يشكّل الخطاب الذي ألقاه رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام مناسبة مهمة لفهم ملامح التحول الذي تحاول الحكومة اللبنانية الحالية إحداثه في بنية الدولة وموقعها الداخلي والخارجي. فسلام، القادم من خلفية دبلوماسية وقانونية، يقدّم رؤية تقوم على إعادة بناء الدولة بوصفها المرجعية الوحيدة للسلاح وللسلطة، في محاولة لتجاوز عقود من ترسّخ ظاهرة السلاح الموازي وهيمنة القوى المسلحة على القرارين الأمني والسياسي.
يواجه لبنان في هذه المرحلة تحدياً محورياً يتمثل في استعادة قدرة الدولة على فرض سلطتها على كامل أراضيها، خصوصاً في ظل تعقيدات الصراع الجنوبي مع إسرائيل، وتنامي شبكات التهريب، وتباين موازين القوى الداخلية. وفي هذا السياق، تبدو تصريحات رئيس الوزراء انعكاساً لوعي حكومي بأن الاستقرار السياسي والاقتصادي لن يتحقق ما لم تُستعاد هيبة الدولة وتُحصر أدوات القوة بيدها وحدها.
حصر السلاح في جنوب الليطاني
تأتي دعوة سلام إلى حصر السلاح بيد الدولة في لحظة مفصلية، حيث يمثّل الجنوب اللبناني نموذجاً معقداً للتداخل بين المقاومة المسلحة من جهة، ومشروع الدولة من جهة أخرى. منطقة جنوب الليطاني تخضع عملياً لمعادلة «قوات اليونيفيل – حزب الله – الدولة اللبنانية»، وهي معادلة فرضتها حرب 2006 وما تبعها من ترتيبات أمنية واسعة. ولذا، فإن إعلان رئيس الحكومة عن استكمال خطوات «حصر السلاح في جنوب الليطاني واحتوائه في باقي البلاد» قبل نهاية العام يعكس محاولة لفرض واقع جديد، أو على الأقل الإشارة إلى أن الحكومة مستعدة لخوض مواجهة سياسية وإدارية لإعادة صياغة قواعد التوازن. ورغم إدراكه لحساسية الموضوع، يصرّ سلام على ربط الاستقرار بالسلاح الشرعي وحده، في رسالة داخلية موجهة إلى القوى السياسية، وإقليمية موجهة إلى الدول العربية والمجتمع الدولي.
يطرح سلام في خطابه رؤية تتجاوز الشعار التقليدي لبناء الدولة. فهو يتحدث عن «إنقاذ لا يكون إلا عبر إصلاح فعلي يؤسس لدولة حديثة»، في محاولة لربط مسار الإصلاح الداخلي بمفهوم الاستعادة الشاملة لسلطة الدولة. ويبدو واضحاً أن الحكومة الحالية تحاول استعادة ثقة الداخل والخارج، لا عبر إجراءات مالية واقتصادية فقط، بل عبر مسار أمني وإداري يعيد بناء مفهوم السلطة العمومية. ولعلّ أبرز ما أشار إليه رئيس الوزراء في هذا السياق هو تعزيز سيطرة الدولة على مطار رفيق الحريري الدولي، وعلى الطرق المؤدية إليه، واتخاذ إجراءات صارمة للحد من التهريب. فالمطار كان موضوعاً لجدل واسع خلال السنوات الماضية، مع اتهامات سياسية وإعلامية بوجود اختراقات أمنية واستعماله لأغراض تتجاوز سيطرة الدولة. وبالتالي، فإن الإجراءات التي جرى اتخاذها تمثل تحوّلاً في مقاربة الحكومة لملف الأمن الحيوي.
خطر مزدوج يهدد الاقتصاد اللبناني
كما شدّد سلام على تعزيز الرقابة على الموانئ البحرية، وهي بدورها تشكّل نقاطاً حساسة في منظومة التهريب اللبنانية ـ السورية. ومن خلال «قواعد جديدة للتعاون مع الجانب السوري»، يبدو أن الحكومة اللبنانية تسعى إلى ضبط الحدود المشتركة عبر مقاربة أمنية مشتركة، تتجاوز التنسيق التقليدي، نحو بناء آليات ميدانية قادرة على ردع المهربين وشبكات النفوذ. ويعكس هذا التوجه إدراكاً حكومياً بأن تهريب السلاح والبضائع والمخدرات يشكل خطراً مزدوجاً: فهو أولاً يضر بالاقتصاد اللبناني المنهك، وثانياً يعزز نفوذ القوى المسلحة غير الخاضعة للدولة، عبر توفير موارد مالية إضافية لها. وهكذا، فإن مكافحة التهريب هنا ليست مجرد إجراء اقتصادي، بل خطوة أساسية في معركة «استعادة الدولة».
على الصعيد الإقليمي، يبرز بعد آخر لخطاب رئيس الوزراء، وهو إعادة وصل لبنان بعمقه العربي. فعبارة «منع استخدام لبنان لزعزعة أمن أشقائه العرب» لا تأتي في سياق إنشائي، بل في إطار رغبة واضحة في إنهاء حالة العزلة التي عاشها لبنان في السنوات الأخيرة، خصوصاً عقب تصاعد دور القوى المسلحة في القرارين الخارجي والداخلي، وتورط لبنان ـ أو بعض فصائله ـ في صراعات إقليمية. ويهدف هذا التوجه إلى إعادة لبنان إلى دوره الطبيعي كشريك اقتصادي وتنموي في النظام العربي، وهو ما يتطلب كشرط أساسي ضبط السلاح، بما يحول دون استخدام لبنان ساحة صراع أو منصة نفوذ، سواء ضد الدول العربية أو ضد القوى الدولية.
تخفيف التوتر على الحدود وخلق مساحة للحوار
وفي الوقت ذاته، يوازن سلام بين السعي إلى حصر السلاح وبين التمسك بحق لبنان في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي، إذ يؤكد أنه «لا استقرار ممكناً طالما استمرت الانتهاكات الإسرائيلية وبقي الاحتلال قائماً لجزء من أرض لبنان». هذا الموقف يعكس محاولة لمواءمة مطلب بسط سلطة الدولة مع الحاجة إلى حماية الجنوب من الاعتداءات، من غير أن يمنح شرعية مطلقة للسلاح غير الشرعي. وهنا تظهر معضلة لبنان الأمنية: كيف يمكن للدولة أن تستعيد احتكار القوة في ظل وجود خطر خارجي دائم، وكيف يمكن إعادة صياغة علاقة الدولة بالمقاومة، بما يسمح بحماية الحدود دون خسارة سيادة الدولة على قرار السلم والحرب؟ هذه الإشكالية ليست جديدة، لكنها اليوم تأتي في سياق سعي حكومي صريح لتثبيت مبدأ الشرعية الأمنية.
يضيف رئيس الوزراء بُعداً آخر من خلال الإشارة إلى التزام الحكومة بتنفيذ «إعلان وقف العمليات العدائية» الذي أقرّته الحكومة السابقة عام 2024. هذا الإعلان يهدف إلى وقف التصعيد في الجنوب، وتثبيت حالة من الهدوء تتيح للبنان إعادة ترتيب وضعه الداخلي، وإطلاق خطوات اقتصادية وسياسية ومالية ضرورية. ويبدو أن الحكومة الحالية ترى في الالتزام بهذا الإعلان بوابة لتخفيف التوتر على الحدود، وخلق مساحة للحوار الداخلي حول مستقبل السلاح ودور الدولة.
تدلّ كل هذه المؤشرات على أن الحكومة اللبنانية تخوض معركة مركّبة على ثلاثة مستويات: على المستوى الداخلي، تحاول إعادة بناء مؤسسات الدولة وتعزيز سيطرتها الإدارية والأمنية. وعلى المستوى الحدودي، تسعى إلى ضبط المعابر والحدود والمطار والموانئ، بهدف تجفيف موارد السلاح غير الشرعي وتقويض شبكات التهريب. وعلى المستوى الإقليمي، تعمل لاستعادة علاقاتها العربية وتثبيت معادلة سياسية تمنع استخدام لبنان كمنصة لإحداث توترات إقليمية. ويشكّل عنصر الوقت عاملاً ضاغطاً، إذ تحتاج الحكومة إلى تحقيق نجاحات ملموسة قبل نهاية العام، كما قال رئيس الوزراء، لإثبات أن مشروع الدولة ممكن، ومن أجل استعادة ثقة الشركاء العرب والدوليين.
إطلاق مسار يعيد ضبط الأمن والسيادة
ورغم هذه الرؤية الطموحة، تواجه الحكومة تحديات كبيرة. فالسلاح غير الشرعي في لبنان ليس مجرد سلاح منفلت، بل جزء من معادلة سياسية واجتماعية واقتصادية تمتد لعقود. كما أن القوى المسلحة تتمتع ببيئة حاضنة وقدرات عسكرية وسياسية تجعل مسار «حصر السلاح» عملية شديدة التعقيد. فضلاً عن ذلك، فإن الضغوط الإقليمية والصراع بين إيران وإسرائيل يلقي بظلاله على الداخل اللبناني، ويجعل أي محاولة لإعادة توزيع القوة محفوفة بالمخاطر. وبالتالي، فإن نجاح الحكومة في هذا المسار يستلزم توافقاً داخلياً عميقاً، ودعماً عربياً، وهامشاً من الاستقرار الإقليمي.
يعكس خطاب رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام محاولة جادة لإعادة الاعتبار لمفهوم الدولة في لبنان، وإطلاق مسار يعيد ضبط الأمن والسيادة والعلاقات الخارجية. ورغم صعوبة التحديات، فإن هذا المسار يشكل فرصة لإعادة بناء الثقة بين الدولة والمواطن، وبين لبنان والعالم العربي. نجاح هذه المقاربة مرهون بمدى قدرة الحكومة على ترجمة الخطاب إلى إجراءات فعلية، وبمدى استعداد القوى السياسية للقبول بمنطق الدولة الحديثة، التي لا يعلو فوق سلطتها سلطان، ولا سلاح خارجها.






