العراق يقف أمام مشهد اقتصادي جديد، يحمل في طياته تساؤلات كثيرة حول ما إذا كانت الطفرة الاستثمارية المعلنة بقيمة 450 مليار دولار، تعكس بالضرورة حالة استقرار أمني وسياسي، أم أنها مجرد محاولة لإعادة رسم صورة مختلفة عن بلد أنهكته الحروب والصراعات على مدى عقود.
الإعلان عن 160 فرصة استثمارية كبرى في قطاعات الطاقة والصناعة والسياحة والزراعة والإسكان، ترافقه وعود حكومية بتسهيل الإجراءات وتقليص البيروقراطية، وهو ما يمثل توجهًا استراتيجيًا نحو تنويع الاقتصاد وتقليل الاعتماد شبه الكلي على النفط. هذه الخطوات لا يمكن قراءتها بمعزل عن البيئة الأمنية والسياسية التي تعد الركيزة الأساسية لأي استثمار طويل الأمد.
التحديات الأمنية والسياسية.. تهديدات تواجه بغداد
من الناحية الأمنية، شهد العراق خلال السنوات الأخيرة تراجعًا ملحوظًا في الهجمات الإرهابية التي كانت تعرقل المشاريع الاستثمارية وتدفع رؤوس الأموال إلى الخارج. ورغم وجود جيوب تنظيم “داعش” في بعض المناطق، فإن قدرة الدولة على احتوائها جعلت بغداد تقدم نفسها اليوم كأرض صالحة للاستثمار، مستفيدة من موقعها الاستراتيجي الرابط بين الخليج وتركيا وإيران وسوريا، فضلاً عن ثرواتها الطبيعية الهائلة.
أما سياسيًا، فإن المشهد يبقى أكثر تعقيدًا. فالصراعات بين القوى السياسية ما تزال قائمة، والتجاذبات حول النفوذ والموارد مستمرة. غير أن المراقبين يرون أن دفع الحكومة بهذا الحجم من الاستثمارات قد يشكل محاولة لكسر حلقة الصراعات الداخلية، عبر خلق واقع اقتصادي جديد يفرض أولويات مختلفة على الطبقة السياسية، ويجعل المصالح الاقتصادية المشتركة عامل توازن يحد من احتمالات الانفجار السياسي.
الفرص الاستثمارية المطروحة – من مدن صناعية جديدة إلى مشاريع إسكان ضخمة – تعكس نية العراق دخول مرحلة إعادة البناء على أسس حديثة، لكنها في الوقت ذاته تمثل اختبارًا حقيقيًا لقدرة الدولة على ضبط الفساد الذي طالما كان عقبة أمام جذب المستثمرين. فالاستثمار لا يزدهر فقط بتوافر الفرص، بل يحتاج إلى بيئة تشريعية ومصرفية شفافة، وإلى ثقة المستثمر بأن أمواله لن تضيع في متاهات الفساد أو ضعف الحوكمة.
آراء المؤسسات الدولية.. بين الدعم والتحذير
في مشاورات Article IV لعام 2025 مع العراق، أكد صندوق النقد الدولي، أن مخصصات الإنفاق الرأسمالي غير النفطي يجب أن تُحمى لتوسيع البنى التحتية للنقل والتجارة، وتحديث قطاع الكهرباء، وتطوير الغاز الطبيعي، كخطوات أساسية لتعزيز الأمن الطاقي وتقليل الاعتماد على النفط.
كما رأى الصندوق أن الإصلاح في آليات الشراء العام (procurement)، والإدارة المالية العامة، ومكافحة الفساد، ضروري لرفع كفاءة أي استثمار عام جديد.
في تقرير “Unlocking Iraq’s Economic Potential” الصادر في 2025، يرى الصندوق أن النمو الحقيقي في القطاع غير النفطي يتأثر بمحددات هيكلية: ضعف الإنتاجية، محدودية الاستثمار، الاستخدام غير الكفوء للرأسمال البشري، والحجم الكبير للدولة في الاقتصاد. بالتالي، يتوقع أن يبقى النمو غير النفطي بين 3-4 % على المدى المتوسط، وهو معدل جيد لكنه أقل بكثير مما تتطلبه الطموحات الكبيرة.
وتعتمد بغداد بشكل كبير على عائدات النفط لتمويل موازنتها، حيث شكلت هذه العائدات حوالي 91 % من الإيرادات الاتحادية في 2024، ما يجعلها عُرضة بشدّة لتقلبات أسعار النفط، وتحذّر التقارير من أن الضغط المالي قد يزداد عام 2025 بسبب انخفاض أسعار النفط، مما سيُجبر الحكومة على تبنّي سياسة مالية أكثر انضباطًا، وتقليص بعض المشاريع غير الاستراتيجية.
أيضًا، في تقرير IMF لعام 2024، نُبه إلى أن التوسع المالي الكبير في السنوات الأخيرة قد زاد من هشاشة الموازنة، وأن العراق بحاجة لضبط فاتورة الأجور العامة وتحفيز الإيرادات غير النفطية لضمان الاستدامة.
التحديات الحقيقية.. الفساد وإضعاف المؤسسات
من أكبر العقبات التي تُقف أمام مشاريع ضخمة كهذه هي الفساد المؤسسي والبيروقراطية المزمنة. وفق تحليل للمركز “Washington Institute” فإن النظام المقيَّد بـ “المحاصصة” (توزيع المناصب وفق الانتماءات السياسية والطائفية) يعوق اتخاذ القرارات المتسقة ويُحفّز شبكات المحسوبية داخل الوزارات والمؤسسات، حيث تُضخ عقود مبالغ بها وتُقدَّم رشى “سياسية” كجزء من لعبة النفوذ.
هذه العوائق تنعكس في ضعف قدرة السلطات الرقابية (كهيئة النزاهة والمراقبة العليا) على التنفيذ الفعلي، ما يضعف الثقة لدى المستثمرين.
الاعتماد الشديد على النفط
على الرغم من الطموح في التنويع، فإن الهيكل الاقتصادي العراقي لا يزال ضعيفًا في القطاعات غير النفطية. بحسب تقرير IMF، الاقتصاد العراقي أقل تنوعًا مقارنةً بالدول المماثلة، إذ إن القطاعات الجديدة تفتقر إلى بنى تحتية وكفاءات كافية، هذا يعني أن أي صدمة في أسعار النفط قد تعصف بكثير من المشاريع الطموحة قبل أن تنضج، أيضا التدخلات الإقليمية أو النفوذ السياسي الخارجي يمكن أن تؤثر على استقرار البيئة الاستثمارية. العراق يقع داخل رقعة تنافسية بين قوى إقليمية، وهو عرضة لتأثير السياسات الخارجية في تخصيص المشاريع أو المباشرة فيها. بعض التحليلات تشير إلى أن سيطرة اقتصادية لطرف خارجي قد تُفسد التنافسية.
فرص الاستثمار التي أعلنتها بغداد ليست مجرد أرقام على الورق، بل تمثل إشارة سياسية واقتصادية مهمة إلى أن العراق يرغب في فتح صفحة جديدة، لكن المصداقية ستُقاس ليس بالإعلان، بل بالتنفيذ، وهذا يتطلب، إصلاحات مؤسسية حقيقية “مشتريات عامة، الشفافية، المحاسبة”، وضبط الأجور العامة والإنفاق غير المنتج، بالإضافة إلى بناء قدرات القوى العاملة وتطوير القطاعات الناشئة تدريجياً، وتحقيق استقرار سياسي وأمني يطمئن المستثمر على أفق عائده.
تهدئة الصراعات السياسية
من زاوية أخرى، فإن دخول شركات عالمية إلى السوق العراقية في مجالات الطاقة المتجددة، الصناعات الدوائية، السياحة والبنى التحتية، قد يفتح الباب أمام العراق ليتحول إلى لاعب اقتصادي إقليمي، شريطة أن يقترن ذلك بإصلاحات سياسية تضمن استقرار القرارات واستمراريتها بعيدًا عن تقلبات الحكومات.
إن العراق يقف بالفعل على أعتاب مرحلة اقتصادية جديدة، لكن نجاحها لن يكون مرهونًا بحجم الأموال المعلنة أو عدد المشاريع المرسومة على الورق، بل بمدى قدرة الدولة على تحويل هذا الزخم إلى واقع ملموس يلمسه المواطن العادي في شكل فرص عمل وخدمات أفضل، والنهوض الاقتصادي في العراق لن يتحقق إلا إذا ترافق مع تهدئة الصراعات السياسية، وترسيخ الأمن، ومكافحة الفساد بشكل جاد، عندها فقط يمكن القول إن الفرص الاستثمارية الحالية ليست مجرد انعكاس لصورة مؤقتة، بل بداية لتحول استراتيجي طويل الأمد نحو عراق مختلف وأكثر استقرارًا.







