شكلت الغارة الإسرائيلية الأخيرة على الضاحية الجنوبية لبيروت، والتي استهدفت مبنى سكنيًا في قلب منطقة نفوذ حزب الله، حلقة جديدة في مسار تصعيدي تتبعه إسرائيل منذ أسابيع عبر سياسة الاغتيالات المركّزة ضد كوادر وقيادات الحزب. هذه العملية، التي قالت تل أبيب إنها استهدفت القيادي البارز هيثم علي الطبطبائي، تأتي في لحظة لبنانية وإقليمية شديدة الحساسية، ما يطرح سؤالًا مركزيًا: هل يمكن لهذه الاغتيالات أن تهزّ بنية حزب الله أو تُرغمه على مراجعة خياراته، أم أنها ستؤدي إلى مزيد من التصلّب والتمسّك بالكيان العقائدي والعسكري للحزب؟
الاغتيال كأداة ضغط
تريد إسرائيل من خلال عملياتها الأخيرة إيصال رسالتين: الأولى، أنها قادرة على اختراق البيئة الأمنية الأكثر حصانة لدى الحزب، وأن بنك أهدافها صار يشمل الصف القيادي الأول وليس فقط مواقع إطلاق الصواريخ. والثانية، أن الحرب المفتوحة في غزة لا تعني تثبيط قدرتها على العمل في لبنان أو سوريا.
لكن تاريخ المواجهة بين إسرائيل وحزب الله يبيّن أن سياسة الاغتيالات لم تُحدث يومًا تحولًا بنيويًا في أداء الحزب. منذ اغتيال عباس الموسوي عام 1992، مرورًا بعماد مغنية 2008، وصولًا إلى فؤاد شكر قبل أشهر، حافظ الحزب على منهجية ثابتة: تعويض القيادات بسرعة، ومنع الفراغ العملياتي، وتحويل الدم إلى عامل تعبئة داخلية.
وبالتالي، فإن قدرة إسرائيل على “إضعاف” الحزب من خلال الاغتيالات تبقى نسبيّة. فهي قد تُربك الجهاز العسكري للحزب لحظيًا، لكنها لا تُفكّك بنيته ولا تضرب عقيدته التنظيمية.
مكانة الطبطبائي ودلالات الاستهداف
تقول المعلومات المتداولة إن هيثم الطبطبائي كان أحد مهندسي قوات النخبة، وشخصية فاعلة في الحرب السورية، إضافة إلى كونه لاعبًا محوريًا في إدارة خطوط الإسناد إلى غزة. أي أن الرجل يمثّل حلقة صلة بين الجبهتين اللبنانية والفلسطينية، ما يجعل استهدافه محاولة لضرب “المعادلة الإقليمية” التي تقودها إيران عبر حزب الله.
لكن هذا النوع من الاستهداف يرسّخ لدى الحزب قناعة راسخة بأن إسرائيل تريد إحداث قطيعة استراتيجية بينه وبين حلفائه، وليس فقط تعطيل عملياته. لذلك، ووفق منطق الحزب نفسه، فإن الردّ أو الاستمرار في المواجهة يصبح جزءًا من حماية الكيان وليس تهديدًا له. على المستوى الداخلي، يواجه حزب الله بيئة لبنانية مأزومة اقتصاديًا وسياسيًا. كثيرون يعتبرون أن الصدام مع إسرائيل يفاقم أزمات البلاد، خصوصًا في الجنوب. ومع كل عملية إسرائيلية، يتجدد النقاش حول جدوى المواجهة، وحول قدرة لبنان على تحمّل تبعاتها.
لكن رغم ذلك، لا توجد مؤشرات فعلية على أن الاغتيالات تُضعف قاعدة الحزب الشعبية الأساسية. فهذه القاعدة تنظر للضربات باعتبارها جزءًا من “ثمن المواجهة”. وفي المقابل، فإن القوى المعارضة للحزب أصلاً لا تغيّر موقفها بسبب هذه العمليات، بل تستغلها لتأكيد وجهة نظرها حول ضرورة تحييد لبنان. أي أن تأثير الاغتيالات يبقى سياسيًا أكثر منه بنيويًا: تؤجّج الانقسام حول دور الحزب داخل الدولة، لكنها لا تهزّ تماسكه الداخلي أو تهديد وجوده.
هل يمكن أن تدفع الضربات الحزب نحو مراجعة استراتيجية؟
تشكل هذه الاغتيالات خطرًا وجوديًا، لكن هل يدفع الحزب إلى إعادة حساباته لمصلحة الدولة اللبنانية؟ حتى الآن، المعطيات تميل إلى “لا”. نظرًا لأن أيديولوجيا الحزب لا تسمح له بالتراجع بدون ثمن أكبر من ثمن المواجهة، وبنيته العقائدية قائمة على “المقاومة”، والتخلّي عنها يعني فقدان سبب وجوده. فالحزب جزء من منظومة إقليمية بقيادة إيران. أي مراجعة يجب أن تمرّ عبر طهران وليس ضمن سياق لبناني فقط.
تاريخيًا، كلما ازداد الضغط على الحزب، ازداد تمسّكه بخياراته. وهذا ما حصل بعد اغتيال مغنية، وبعد حرب 2006، وبعد اغتيال قاسم سليماني. لا يوجد داخل لبنان مشروع وطني جامع يعيد صياغة استراتيجية دفاعية تُخرج الحزب من منطق السلاح دون أن يشعر بضياع تضحياته أو تهديد بيئته. ورغم ذلك، لا يمكن إغفال جانب آخر: الحزب براغماتي أيضًا. فقد سبق أن خفّف من حضوره في اليمن والعراق، وشارك في تسويات داخلية لبنانية، وقيّد استخدام قوته في مراحل معينة. أي أن المراجعة ليست مستبعدة نظريًا، ولكنها لن تحصل تحت ضغط الاغتيالات وحدها؛ بل تحتاج إلى معادلة سياسية لبنانية وإقليمية جديدة.
هل تهدد سلسلة الاغتيالات “كيان” الحزب؟
وفق القراءة الواقعية، الحزب بنى منظومة قيادة مرنة، يستطيع من خلالها استبدال القيادات خلال ساعات. الاغتيالات تؤلم، لكنها لا تشلّ. ترسانة الحزب وعملياته في الجنوب ما تزال قادرة على الرد، وإسرائيل نفسها تقول إن التنظيم “لم يفقد قدرته”. إذن لا خوف على البنية العسكرية. هذا هو المستوى الأكثر حساسية. كل عملية اغتيال تضع الحزب تحت ضغط داخلي: هل يردّ ويجرّ لبنان إلى حرب؟ أم يضبط النفس ويتّهم بالضعف؟ وهنا يتجلّى التحدي الحقيقي. فالحزب قادر على تحمّل الضربات، لكنه يخشى من استغلالها سياسيًا لتقليص نفوذه داخل الدولة.
مع ذلك، ليس هناك مؤشر واحد يدل على أن “كيان الحزب” مهدد. فهو يمتلك: “قاعدة شعبية ثابتة، منظومة عسكرية مستقلة، دعمًا إقليميًا ثابتًا، مؤسسات اجتماعية واقتصادية راسخة، أي أن الضربات تبدو “تكتيكية” مقارنة بمقوّماته الاستراتيجية.
بناء على التجارب السابقة، يمكن القول إن الحزب سيسلك أحد ثلاثة مسارات: مسار الردّ المحسوب، عبر عمليات محدودة تُظهر القدرة وتجنب حرب شاملة. وهذا هو السيناريو الأرجح، مسار التشدّد: وهو ممكن إذا تكررت الضربات أو قُتل قياديون من الصف الأول، ما قد يدفع الحزب لتوسيع المواجهة. مسار التهدئة المشروطة: إذا رأت إيران أن الوقت مناسب لخفض التصعيد الإقليمي، قد يلتزم الحزب بضوابط أشد، لكن دون تغيير استراتيجي.
مراجعات تكتيكية
الاغتيالات لن تغيّر كيان حزب الله، ولن تدفعه إلى مراجعة خياراته الأساسية، بل ستدفعه إلى مزيد من التمسّك بمنهجه.
لكنها في الوقت نفسه ترفع كلفة الاستمرار في النهج نفسه، وتضعه أمام أسئلة داخلية متزايدة حول مستقبل المواجهة وأثرها على لبنان.
أي أنها قد تدفعه إلى مراجعات تكتيكية مرتبطة بإدارة الأزمة، لكنها لن تتجاوز إلى تحويل استراتيجي يغيّر دوره أو يحلّ عقدته السياسية–العسكرية.
قدرة الاغتيالات على تغيير سلوك الحزب مرتبطة بعوامل خارجية أكثر منها داخلية: تطورات غزة، موقف إيران، شكل التسوية الإقليمية المقبلة، وإمكانية بناء عقد سياسي لبناني جديد. أما تحت ضغط النار وحدها، فالحزب لن يتراجع، بل سيزداد تشبثًا بهويته، حتى وإن كان الثمن يتوزّع على لبنان بكل مكوناته.






