الاعتداء الذي تعرض له نادر أبو بكر، أمين سر حركة فتح في مردا، يعكس البعد السياسي العميق وراء الاقتحامات المتكررة التي ينفذها جيش الاحتلال في الضفة الغربية. فالهجوم المباشر على شخصية تنظيمية بارزة في الحركة، وبطريقة وحشية تضمنت الضرب المبرح وتحطيم الممتلكات ومصادرة أموال ومقتنيات شخصية، يتجاوز كونه إجراءً أمنياً اعتيادياً، ليكشف عن رسالة واضحة تستهدف كسر الدور التنظيمي والرمزي لحركة فتح في مناطق الضفة، وإشاعة أجواء من الردع والخوف بين نشطائها.
غليان شعبي
توقيت الاعتداء على أبو بكر يأتي في ظل تصاعد حالة الغليان الشعبي في الضفة، التي باتت تشهد تصعيداً موازياً للحرب الإسرائيلية المفتوحة على غزة. ومن اللافت أن الاعتداء لم يقف عند حدود الاعتقال أو التحقيق الميداني، بل أخذ منحى الإذلال والإضرار الشخصي والاقتصادي للعائلة، وهو ما يندرج في إطار سياسة العقاب الجماعي التي يطبقها الاحتلال منذ سنوات طويلة.
كما أن استهداف الأسير المحرر مجدي الديك ونجله، وعمليات الاعتقال في كفر الديك، تضع دلالات إضافية حول استراتيجية الاحتلال في ضرب البيئة الاجتماعية والسياسية التي تغذي الفعل المقاوم. فالاعتقال المتكرر للأسرى المحررين يشير إلى خشية إسرائيل من عودة هؤلاء إلى دائرة الفعل الميداني والتنظيمي، في حين أن اعتقال القاصرين يُظهر محاولة لإجهاض أي جيل جديد يمكن أن يملأ فراغ الساحة النضالية.
الاقتحامات المتكررة في سلفيت ومناطق أخرى من الضفة تعكس توجهاً منظماً للجيش الإسرائيلي لفرض معادلة جديدة قوامها السيطرة المباشرة على المجتمع الفلسطيني، واستنزاف القوى الفاعلة فيه. فالضفة اليوم لم تعد مجرد منطقة هادئة كما سعى الاحتلال لتصويرها سابقاً، بل تحولت إلى ساحة اشتباك مفتوح، وهو ما يدفع الاحتلال إلى اعتماد سياسة القبضة الحديدية تجاه الكوادر التنظيمية والنشطاء، في محاولة لإعادة ضبط الأوضاع الأمنية لصالحه.
رسائل سياسية مزدوجة
من جهة أخرى، الاعتداء على قيادات تنظيمية لفتح يحمل رسائل سياسية مزدوجة: أولها الضغط على الحركة التي تمثل العمود الفقري للسلطة الفلسطينية، وإظهار عجزها عن حماية كوادرها أو حتى الدفاع عن حضورها الشعبي. وثانيها محاولة إضعاف دورها الميداني أمام جمهورها، لصالح تكريس حالة التفكك في الساحة الفلسطينية.
بهذا المعنى، فإن الاعتداء على نادر أبو بكر ومجدي الديك لا يمكن قراءته في معزل عن السياق الأوسع، حيث يسعى الاحتلال إلى إدارة معركة موازية في الضفة تقوم على تجفيف منابع الفعل السياسي والمجتمعي الفلسطيني، بالتوازي مع حرب الإبادة في غزة. فالضفة في هذه اللحظة تحولت إلى ساحة اختبار، ليس فقط لمدى قدرة الاحتلال على فرض سيطرته، بل أيضاً لمدى صمود البنية التنظيمية والاجتماعية الفلسطينية في مواجهة سياسات التدمير الممنهج.




