الحادثة التي شهدتها العاصمة العراقية بغداد، والمتمثلة باقتحام مجموعة مسلحة تنتمي إلى فصائل في “الحشد الشعبي” لإحدى دوائر وزارة الزراعة في جانب الكرخ، تسلط الضوء من جديد على التحديات الأمنية والمؤسساتية التي تواجهها الدولة العراقية، وتعيد إلى الواجهة قضية تداخل السلاح الرسمي وغير الرسمي، والولاءات المتعددة داخل الأجهزة المسلحة.
خطورة الانفلات الأمني
البيانات الصادرة عن وزارة الداخلية العراقية أكدت أن الهجوم وقع بالتزامن مع مباشرة مدير جديد مهامه في الدائرة المستهدفة، وفي أثناء اجتماع إداري، ما أحدث حالة من الذعر بين الموظفين المدنيين الذين اضطروا إلى الاستنجاد بالقوات الأمنية. التطور الأخطر تمثل في تعرّض القوة الأمنية التي استجابت للنداء إلى إطلاق نار مباشر من قبل المجموعة المسلحة، ما أدى إلى إصابة عدد من الضباط والمنتسبين بجروح، في مشهد يعكس خطورة الانفلات الأمني واستخدام العنف المسلح ضد مؤسسات الدولة.
الإعلان الرسمي عن توقيف 14 مسلحًا بعد عملية أمنية سريعة، وتحديد انتمائهم إلى اللواءين 45 و46 التابعين للحشد الشعبي، يمثل خطوة مهمة في فرض هيبة الدولة، إلا أنه في الوقت ذاته يفتح الباب على تساؤلات حساسة تتعلق ببنية الحشد الشعبي ذاته، والعلاقة المعقدة بين فصائله المختلفة ومؤسسات الدولة الرسمية. فالحشد، الذي نشأ في سياق الحرب ضد تنظيم “داعش”، تحول خلال السنوات الأخيرة إلى كيان متعدد الولاءات والمراكز، يتداخل فيه العمل العسكري بالمصالح السياسية، ما أوجد حالة من التوتر المستمر بين الدولة المركزية وبعض مكونات الحشد.
تزايد الضغوط على الحكومة العراقية
الأمر اللافت في هذه الواقعة هو أن رئيس الوزراء محمد شياع السوداني، بوصفه القائد العام للقوات المسلحة، سارع إلى إصدار أمر بتشكيل لجنة عليا للتحقيق، في إشارة إلى جدية الدولة في التعامل مع الحادث واحتواء تداعياته. البيان الرسمي أشار صراحة إلى أن تحرك القوة المسلحة التابعة للحشد جرى من دون أوامر أو موافقات أصولية، ما يشكل خرقًا واضحًا للتسلسل القيادي ويضع علامات استفهام حول آليات السيطرة والانضباط داخل الفصائل المسلحة، حتى تلك التي تُفترض تبعيتها للدولة.
تداعيات الحادث قد تكون بعيدة الأثر، ليس فقط على المستوى الأمني بل أيضًا على المشهد السياسي، حيث تتزايد الضغوط على الحكومة العراقية لضبط السلاح المنفلت وضمان احتكار الدولة لاستخدام القوة. فاستمرار مثل هذه الحوادث يضعف من ثقة المواطنين بالمؤسسات ويقوّض جهود الإصلاح وبناء دولة القانون. كما أنه يثير قلقًا إقليميًا ودوليًا من إمكانية انفلات الأوضاع الأمنية في العراق مجددًا، خاصة في ظل السياقات الإقليمية المتوترة.
مشروع بناء الدولة
الحادث يمثل، في جوهره، اختبارًا حقيقيًا لقدرة الحكومة العراقية على فرض سيطرتها على جميع القوى المسلحة، بما في ذلك تلك التي تنضوي اسمًا تحت لواء الدولة، لكنه اختبار محفوف بالمخاطر نظراً لحجم النفوذ السياسي والعسكري الذي تمتلكه بعض الفصائل. ومع أن التحرك السريع للأجهزة الأمنية وتوقيف المتورطين يعكس توجهًا حازمًا، فإن مستقبل العلاقة بين الدولة والحشد الشعبي سيظل مرهونًا بقدرة الحكومة على فرض المعايير القانونية والمؤسسية، لا على أساس الانتماء أو السلاح.
يبرز هذا الحادث كعرضٍ واضح لأزمة أعمق تتعلق بمدى إمكانية استكمال مشروع بناء الدولة في العراق، دولة تكون فيها المؤسسات فوق الفصائل، ويكون فيها السلاح حصريًا بيد القوات النظامية وتحت سلطة القانون.







