يدخل قادة الاتحاد الأوروبي نقاشاتهم حول إنعاش الاقتصاد وهم يحملون وصفًا شبه موحّد للأزمة: طاقة مرتفعة الكلفة، بيروقراطية خانقة، ومنافسة شرسة من قوى اقتصادية كبرى. غير أن هذا الإجماع على “ما المشكلة؟” لا يرافقه اتفاق مماثل على “كيف نخرج منها؟”.
الاجتماعات التي سبقت القمة غير الرسمية في بلجيكا كشفت فجوة متزايدة بين إدراك حجم الخطر وبين القدرة السياسية على إنتاج قرارات مشتركة تعكس حجم التحدي.
الصناعة تضغط: الاستثمارات تتآكل والقدرة الإنتاجية تتراجع
رسائل رجال الأعمال كانت مباشرة وقاسية. قطاعات صناعية ثقيلة، من الكيميائيات إلى السيارات، تحذر من أن أوروبا تخسر مواقعها تدريجيًا لصالح منافسين في آسيا وأميركا الشمالية.
التراجع في الطاقة الإنتاجية، وانكماش الاستثمارات الجديدة، لم يعودا مؤشرين معزولين، بل جزءًا من مسار طويل من فقدان الجاذبية الصناعية. القلق هنا لا يقتصر على أرقام النمو، بل يمتد إلى سؤال أعمق: هل ما زالت أوروبا بيئة مناسبة للتصنيع في عالم تحكمه الحوافز الضخمة وسلاسل توريد أكثر مرونة خارج القارة؟
بروكسل تحت النار… والعواصم تتقاذف المسؤولية
الغضب لا يتجه في اتجاه واحد. العواصم الوطنية تُحمّل بروكسل مسؤولية إفراط تنظيمي يُثقل كاهل الشركات، فيما ترى المفوضية الأوروبية أن الدول الأعضاء والبرلمان يعرقلان محاولات تبسيط القواعد والإجراءات.
هذا التراشق يعكس مأزق الحوكمة الأوروبية ذاته: كل طرف يعترف بالحاجة إلى إصلاحات جذرية، لكن كلفة التنازل السياسي تُؤجل القرارات الكبيرة لصالح حلول تجميلية لا تغيّر جوهر المشهد الاقتصادي.
باريس وبرلين… الخلاف يعود إلى الواجهة
أعمق خطوط التصدع لا تمر بين بروكسل والعواصم فقط، بل بين باريس وبرلين، الثنائي الذي اعتاد أن يقود البوصلة السياسية للاتحاد.
الخلاف هنا ليس تقنيًا حول أدوات اقتصادية محددة، بل فلسفي حول نموذج أوروبا الصناعي: هل تُحمى الصناعات المحلية عبر “تفضيل أوروبي” صريح؟ أم تُفتح الأسواق مع قدر من الانتقائية يحافظ على الشراكات التجارية؟
هذا التباين يعكس رؤيتين مختلفتين لدور الدولة في الاقتصاد ولحدود الانفتاح في زمن احتدام المنافسة العالمية.
أوروبا بسرعتين؟ حل واقعي أم اعتراف بالعجز؟
طرح فكرة “أوروبا بسرعتين” يعكس لحظة نفاد صبر داخل مؤسسات الاتحاد. فبدل انتظار توافق سبعٍ وعشرين دولة على كل تفصيل، يجري التلميح إلى المضي قدمًا مع مجموعة أصغر من الدول المستعدة لتعميق التكامل في مجالات حيوية مثل أسواق رأس المال.
هذا الطرح يُقدَّم كحل عملي لتجاوز الشلل السياسي، لكنه في الوقت نفسه اعتراف ضمني بأن الوحدة الأوروبية لم تعد قادرة على التحرك بوتيرة واحدة. المخاطرة هنا ليست اقتصادية فقط، بل سياسية أيضًا، لأنها قد تُعمّق الفجوة بين “دول القلب” و”دول الهامش” داخل المشروع الأوروبي.
خوف من التخلف عن الركب… لكن بلا قرارات حاسمة
يتحرك القادة تحت ضغط هاجس مشترك: أوروبا تخسر موقعها في سباق القدرة التنافسية العالمي. ورغم ذلك، يسود تشاؤم واضح حيال إمكان خروج الاجتماعات بنتائج ملموسة في المدى القريب.
الحديث عن “إدارة التوقعات” قبل القمم يعكس فجوة بين حجم التحديات وضآلة ما يمكن الاتفاق عليه سياسيًا. وفي ظل هذا الواقع، يبدو أن أوروبا عالقة بين إدراك متزايد لخطورة اللحظة، وعجز بنيوي عن إنتاج استجابة بحجم الأزمة.






