تحتفي المجتمعات بوصول مولود جديد، وتُحاط الأم بالتهاني والفرح، وكأنها دخلت عالماً من السعادة المطلقة. لكن خلف هذا المشهد المبهج، قد تخفي بعض الأمهات صراعاً داخلياً لا يُرى بالعين، ولا يُقال بالكلمات. إنها ليست مجرد تعب عابر، بل قد تكون أعراضاً لـ اكتئاب ما بعد الولادة في نسخته الأكثر خفاءً وأصعب ملاحظة، وهو الاكتئاب الصامت.
لماذا يُعتبر اكتئاب ما بعد الولادة صامتاً؟
في كثير من الحالات، لا تظهر على الأم علامات الانهيار أو البكاء المستمر، بل على العكس، قد تبدو قوية ونشطة ومُنجزة، وتهتم بطفلها بشكل ممتاز. لكنها من الداخل، تخوض صراعاً لا يراه أحد. هذا النوع من الاكتئاب لا يتوافق مع الصورة النمطية التي يتخيلها الناس، مما يجعل الأم تخشى الاعتراف به خوفاً من أن تُتهم بأنها غير ممتنة أو “أم سيئة”.

علامات غير نمطية تستحق الانتباه
وفقاً لأطباء النفس، قد تتجلى أعراض هذا النوع من الاكتئاب بشكل مختلف. فقد تشعر الأم بانفصال عاطفي عن طفلها، حيث تعتني به بشكل ممتاز ولكنها لا تشعر بالرابط الداخلي الحقيقي. كما أنها قد تعاني من الإرهاق الدائم حتى مع الحصول على قسط كافٍ من النوم، وكأنها تحمل عبئاً ثقيلاً لا تستطيع التخلص منه. ومن الأعراض الشائعة أيضاً، الشعور بالقلق المبالغ فيه من أدق التفاصيل المتعلقة بطفلها، أو الشعور المستمر بالذنب بأنها لا تقوم بواجبها على أكمل وجه.
طريقك نحو التعافي والدعم النفسي
يُعد الخوف من الحكم الاجتماعي ونظرة المجتمع من أبرز أسباب صمت الأمهات. لهذا، فإن أول خطوة نحو التعافي هي الاعتراف بالمشاعر دون خجل، فمن الطبيعي أن تكون المشاعر معقدة بعد الولادة. إن الصحة النفسية للأم لا تقل أهمية عن العناية بالطفل، لذا فإن طلب الدعم المهني من طبيب نفسي أو مختص يعد خطوة أساسية وليست دليلاً على الضعف. يجب على الأم أن تمنح نفسها مساحة للرعاية الذاتية، وتحاول محاربة العزلة بالحديث مع صديقة موثوقة. إن اكتئاب ما بعد الولادة الصامت يتخفى أحياناً خلف الأم الأكثر التزاماً أو الأكثر ابتساماً، ولهذا فإن الاستماع للأم دون إطلاق الأحكام قد يكون طوق النجاة الذي تحتاجه.







