منذ إيقاف راشد الغنوشي في أبريل 2023 وتوجيه سلسلة من التهم إليه، يتواصل الجدل في تونس حول طبيعة هذه الملاحقات وحقيقة دوافعها، وهل هي نتاج خروقات قانونية فعلية، أم تأتي في إطار الصراع السياسي الحاد الذي تعيشه البلاد منذ 25 يوليو 2021 عقب قرارات الرئيس قيس سعيد بتجميد البرلمان وإقالة الحكومة واحتكار السلطات. الحكم الجديد القاضي بسجن الغنوشي لمدة عامين بسبب ما وصفته حركة النهضة بأنه “تبرع لصالح الهلال الأحمر التونسي” يجدد هذا السجال، ويعيد فتح النقاش حول مستقبل النهضة وموقعها في المشهد السياسي، وحول طبيعة النظام السياسي الذي يتشكل تدريجياً في ظل الرؤية الجديدة للرئاسة.
تفكيك الحزب الأكبر
من منظور قانوني بحت، قد تبدو القضية الأخيرة المتعلقة بالتبرعات السابقة لنواب البرلمان خاضعة لآليات التدقيق الإداري والمالي التي تفرضها الدولة على المسؤولين العموميين. غير أن غياب الوضوح في التهم، وضعف الشرح الرسمي لطبيعة المخالفات، وتزامن هذه القضايا مع حملة ملاحقات واسعة طالت معظم قيادات النهضة وشخصيات سياسية معارضة، كلها عوامل تدفع الكثيرين إلى الاعتقاد بأن خلفية هذه الملفات سياسية أكثر منها قانونية. فالقضية تتعلق بتبرع أعلن عنه الغنوشي سابقاً، وتم في حفل رسمي وتحت أعين وسائل الإعلام، ما يجعل اتهامه بعدم احترام الإجراءات المالية مسألة قابلة للتأويل. بالنسبة للنهضة وأنصارها، فإن السلطات “عجزت عن تجريم المضمون فلجأت إلى الشكل”، وهو خطاب ينسجم مع قناعة قاعدتها بأن الدولة تتجه إلى تفكيك الحزب الأكبر في البلاد منذ 2011.
يعزز هذا التصور عدد من المؤشرات؛ أبرزها أن الغنوشي يعيش وضعاً استثنائياً كونه الشخصية السياسية الوحيدة تقريباً التي تلاحق في أكثر من ملف متزامن: التحريض على أمن الدولة، تبييض الأموال، الجمعيات، التآمر، وصولاً إلى قضايا تبرعات. هذا التنوع في الاتهامات والسياقات يمنح الانطباع بأن الهدف هو الإبقاء عليه خلف القضبان لأطول فترة ممكنة، وبالتالي إقصاؤه من أي تأثير مباشر على الشأن العام. كما أن عدم حضوره للمحاكم، الذي يبرره بغياب ضمانات المحاكمة العادلة، يتحول إلى عنصر آخر تستعمله السلطة لتأكيد صوابية مسارها.
تحولات سياسية معقدة
لكن رغم ذلك، لا يمكن إنكار أن النهضة، خلال سنوات الحكم السابقة، واجهت اتهامات حقيقية تتعلق بإدارة الدولة وبملفات حساسة مثل الاقتصاد، الأمن، التعيينات، والارتباطات الإقليمية. الانقسام الشعبي حول الحركة والغنوشي ليس وليد اللحظة، بل تراكم عبر سنوات، ما يجعل جزءاً من المجتمع ينظر إلى المحاسبة الحالية كخطوة ضرورية لتصحيح المسار، حتى لو تداخلت السياسة بالقانون. غير أنّ هذا التداخل بالذات يعكس أحد أعمق أبعاد الأزمة التونسية: غياب الفصل الحقيقي بين الصراع السياسي وآليات القضاء، وهو ما يجعل كل حكم وكل ملاحقة محل جدال وتأويل.
على مستوى تأثير حركة النهضة في المشهد السياسي، يمكن القول إن الحركة ما زالت تمثل، رغم كل الضربات، القوة التنظيمية الأولى في البلاد. تراجع حضورها البرلماني وتفكك جزء من قواعدها بعد 2021 لم يؤدِ إلى انهيارها، بل أعاد توزيع أدوارها داخل المشهد. فمنذ 25 يوليو، تحولت الحركة من حزب حاكم إلى حزب معارض رئيسي، واستردت خطاب “الدفاع عن الديمقراطية”، وهو خطاب يلقى صدى نسبياً لدى شريحة من التونسيين القلقين من التوجهات السلطوية للرئاسة.
إعادة صياغة النظام السياسي
لكن هذا التحول لم يكن سهلاً. فالحركة تواجه اليوم ضغوطاً مزدوجة: من جهة، ضغط الدولة التي تلاحق قياداتها وتحاصر نشاطها؛ ومن جهة أخرى، ضغط الرأي العام الذي يحملها مسؤولية كبيرة عن أزمة العقد الماضي. مع ذلك، ما تزال النهضة قادرة على تحريك جزء من الشارع وعلى الحفاظ على تحالفات سياسية، خصوصاً داخل جبهة الخلاص الوطني وفي الأوساط المدنية المعارضة. ومن اللافت أن سجن الغنوشي لم يضعف الحركة تنظيمياً، بل منحها موقع الضحية، وهو موقع تحسن توظيفه سياسياً لتغذية خطاب الظلم والاستهداف.
هذا الوضع يضع تونس أمام معادلة معقدة: فمن جهة، تريد الرئاسة إعادة صياغة النظام السياسي عبر دستور جديد، وبرلمان محدود الصلاحيات، وقضاء أكثر مركزية؛ ومن جهة أخرى، لا تستطيع إلغاء وجود النهضة من الواقع السياسي، لأن الحزب يتمتع بانتشار اجتماعي وعمق ديني وفكري داخل قطاعات واسعة. أي محاولة لإقصائه نهائياً قد تؤدي إلى انغلاق سياسي كامل أو إلى مواجهة مفتوحة، وهي نتائج لا يبدو أن البلاد قادرة على تحملها في ظل أزمتها الاقتصادية الحادة.
صراع السلطة والمعارضة
لكن السؤال الأهم هو: هل يسمح انتشار السلاح وموازين القوى الفعلية بإنتاج توافق سياسي حقيقي في تونس؟ على عكس دول الجوار، لم تشهد تونس عسكرة للمشهد السياسي، ولا تنتشر فيها ميليشيات مسلحة تابعة للأحزاب. ورغم أن الخصومة بين الرئاسة والنهضة حادة، فإن الصراع بين الطرفين ظل سلمياً، ما يعني أن المجال ما زال مفتوحاً نظرياً أمام التفاهمات السياسية. غير أن غياب المؤسسات الوسيطة، وانفراد الرئيس بالحكم، وتراجع ثقة الشارع بالأحزاب، كلها عوامل تجعل التوافق أكثر صعوبة. فالرئاسة، وفق خطابها الرسمي، تعتبر النهضة جزءاً من “المنظومة الفاسدة” التي يجب محاسبتها، بينما تعتبر النهضة والروافد المعارضة أن الرئيس يقود البلاد نحو نظام أحادي يهدد الحريات.
من زاوية تأثير هذه التطورات على المسار السياسي التونسي، فإن سجن الغنوشي يعمّق القطيعة بين السلطة والمعارضة، ويؤسس لمرحلة جديدة من الحكم الفردي، ما يعمق مخاطر الاستقطاب ويقلص هوامش الحوار. وفي المقابل، توفر هذه الملاحقات للنهضة فرصة لتوحيد صفوفها حول قيادة واحدة، والتقارب مع أحزاب كانت على خلاف معها، تحت مظلة الدفاع عن الديمقراطية. وهنا يتبدى أن سجن الغنوشي، سواء كان سياسياً أو قانونياً، ستكون له تبعات تتجاوز القضية نفسها، لأنه يضع الحركة في موقع صراع مباشر مع الدولة، ويحرج السلطة أمام شركائها الدوليين الذين ينظرون بقلق إلى استقلال القضاء في تونس.






