في بيان حادّ اللهجة، حذر المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني من أن أي «إجراء عدائي» يستهدف الجمهورية الإسلامية أو منشآتها النووية سيقابَل بوقف تنفيذ الترتيبات الأخيرة الموقَّعة مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
وجاء في البيان أن إعادة تفعيل قرارات مجلس الأمن، التي سبق إنهاؤها، ستُعتبر تجاوزاً للخطوط الحمراء، وستقابل بردّ عملي من جانب طهران.
اتفاق القاهرة في مهب الريح
التحذير الإيراني جاء بعد أيام قليلة من اللقاء الذي جمع وزير الخارجية عباس عراقجي بالمدير العام للوكالة الدولية رافاييل غروسي في القاهرة، بحضور وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي.
اللقاء أسفر عن تفاهمات جديدة بشأن آلية التعاون الفني والرقابي على الأنشطة النووية الإيرانية. لكن البيان الأخير يُلقي بظلال من الشك على مستقبل هذا الاتفاق، خاصة في ظل تصاعد التوترات مع الولايات المتحدة وإسرائيل.
هجمات عسكرية سابقة تعيد الحسابات
أشار البيان الإيراني إلى أن هذه الترتيبات جاءت «في ظل الظروف المستجدة بعد الهجمات الأميركية والإسرائيلية على منشآت نووية إيرانية»، وهو ما يسلط الضوء على المخاوف المتزايدة في طهران من استهداف بنيتها التحتية النووية مرة أخرى، ويدفعها إلى استخدام الاتفاق مع الوكالة الذرية كورقة ضغط ورسالة تحذيرية للغرب.
وزير الخارجية الإيراني عراقجي كان قد صرّح أمام البرلمان بأن الوكالة الدولية وافقت على شروط جديدة للتعاون، من دون الكشف عن تفاصيلها كاملة.
هذا الموقف يعكس رغبة طهران في إظهار مرونة محسوبة، لكنها مشروطة بعدم تعرضها لأي ضغوط أو عقوبات جديدة. ويعني ذلك أن مستقبل العلاقة مع الوكالة الذرية سيبقى رهين التوازن بين التفاهمات التقنية والضغوط السياسية.
ضغوط متصاعدة ومخاوف من الانفجار
التحذيرات الإيرانية تأتي في وقت يشهد الملف النووي توتراً متزايداً، حيث تسعى واشنطن وشركاؤها الأوروبيون إلى فرض قيود إضافية على طهران، بينما تحاول إيران إثبات قدرتها على المناورة.
ومع استمرار الخلافات حول التخصيب والمراقبة، يرى مراقبون أن أي تصعيد إضافي قد يُدخل الاتفاق النووي برمّته في مرحلة «اللاعودة»، بما يهدد باندلاع مواجهة إقليمية أوسع.
يرى الخبير في الشؤون الإستراتيجية الدكتور حسن العجمي أن تهديد إيران بوقف تنفيذ الترتيبات مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية يعكس إدراكها أن الاتفاق يمثل ورقة ضغط ثمينة بيدها.
ويشير إلى أن طهران تريد إرسال رسالة مزدوجة للغرب: فهي من جهة مستعدة للتعاون، ومن جهة أخرى لن تتردد في الانسحاب إذا شعرت بتهديد مباشر لمصالحها النووية أو أمنها القومي.
الهجمات السابقة غيّرت قواعد اللعبة
يؤكد الخبير الأمني الإسرائيلي السابق إيال بن مئير أن الإشارات الإيرانية لا يمكن فصلها عن الهجمات الأخيرة التي استهدفت منشآت نووية.
ويقول إن طهران باتت أكثر حساسية لأي تحرك عسكري، وتعتبر أن استمرار التعاون مع الوكالة مشروط بوقف الضغوط العسكرية والاستخباراتية. هذا التحول يعكس أن إيران ترى الاتفاق أداة تكتيكية لحماية منشآتها، وليس التزاماً دائماً.
ويوضح أستاذ العلاقات الدولية الدكتور أحمد عبد المنعم أن اختيار القاهرة لاستضافة لقاء عراقجي – غروسي لم يكن صدفة، فمصر، بحسب رأيه، تحاول لعب دور الوسيط الذي يوازن بين الغرب وإيران، مستفيدة من موقعها الجيوسياسي وعلاقاتها الدبلوماسية الواسعة. لكنه يحذر من أن التصعيد الإيراني الأخير قد يحرج القاهرة ويضعها أمام تحدي الحفاظ على حيادها.
تصعيد محسوب لا مواجهة مباشرة
يرى الباحث الإيراني المعارض مهدي كاظمي أن طهران تعتمد سياسة “التصعيد المحسوب”، فهي ترفع سقف الخطاب لردع الخصوم، لكنها في الواقع لا تسعى إلى مواجهة مباشرة قد تكلفها الكثير.
ويشير إلى أن إيران تدرك أن أي تعطيل كامل للتعاون مع الوكالة الذرية سيزيد من عزلة النظام، لذلك فهي تلوّح بالانسحاب أكثر مما تنوي فعله.
تداعيات محتملة على أسواق الطاقة
ويشدد الخبير الاقتصادي المتخصص في شؤون الطاقة الدكتور محمود الكيلاني على أن أي تعطيل للاتفاق النووي سيؤثر فوراً على أسعار النفط والغاز. فالسوق العالمية تترقب بقلق أي إشارة إلى عودة العقوبات أو التصعيد العسكري في الخليج.
ويرى أن تصريحات الأمن القومي الإيراني ليست مجرد ورقة سياسية، بل أداة ضغط اقتصادية تُذكّر العالم بأن استقرار الطاقة مرتبط باستقرار الملف النووي.







